البحث في نفحات7

 نفحات7 - محاضرات - التربية الروحية في الطريقة التجانية
الـرّئيسيـة > محاضـرات > التربيـة الروحية في الطريقـة التجانيـة


بقلم الأستاذ : محمد الفاتح شعيب محمد - جمهورية السودان

اللهمّ صلّ على سيّدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحقّ بالحقّ والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حقّ قدره ومقداره العظيم .
الإخوة أعضاء الملتقى الدولي الثاني للطريقة التجانية :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
إنّه لشرف عظيم لي أن تتاح لي فرصة المشاركة في هذا الملتقى الدولي الثاني للطريقة التجانية تحت مظلّة الطريقة التجانية ، وفي رحاب زاوية قمار المباركة ، وبرعاية رئيس الجمهورية الجزائرية الشقيقة . هذا اللقاء الأخوي الذي يتيح للأخوة التجانيين فرصة الحوار وتداول الرأي حول المستجدّات على الساحة العالمية ، وانعكاساتها الإيجابية والسلبية على المسيرة التجانية القاصدة إلى الله تعالى .
الإخوة الكرام :
لقد وقع اختياري على موضوع ( التربية الروحية في الطريقة التجانية ) ليكون موضوع حديثي في هذا اللقاء نظرا لما يحظى به هذا الموضوع من اهتمام جميع الإخوة التجانيين لأنّه محور نشاط الطريقة التجانية .
الإخوة الكرام :
في البداية أقول : إنّ مصطلح التربية الروحية عند الصوفية عموما يعني تهذيب الروح وذلك باقتلاع جميع الصفات الأخلاقية المذمومة الكامنة فيها وإخلاءها منها ، واستبدالها بغرس جميع الصفات والفضائل الأخلاقية المحمودة شرعا وتحليتها بها. وهذا ما يشير إليه القرآن الكريم في قوله تعالى وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (1) فمهمّة التربية عموما هي تجريد الروح من الرذائل الخُلقية وتزويدها بالفضائل الأخلاقية .
هذا المعنى للتربية الروحية يمثّل القاسم المشترك الأعظم بين جميع أهل التربية الصوفية . وكلّ طريقة صوفية لها منهجها وأسلوبها الخاصّ في تحقيق هذا الهدف المشترك بين جميع أهل التربية الصوفية .
فما هو المنهج التجاني في التربية الروحية ؟
أقول إنّ أوّل ما يتعيّن علينا معرفته هو أنّ التربية في الطريقة التجانية مشيّدة على قواعد الكتاب والسُّنّة شبرا بشبر، وذراعا بذراع ، وهذا ما أشار إليه قائد المسيرة التجانية سيّدي أحمد التجاني رضي الله عنه عندما قال لمريديه :( إذا سمعتم عنّي شيئا فزنوه بميزان الشرع ، فإن وافق فاعملوا به وإن خالف فا تركوه ) . وهذا يعني أنّ شؤون الطريقة التجانية كلّها مرتبطة أشدّ الارتباط بالشريعة ، بل هي تجسيد لأوامر الشرع ونواهيه .
ولنُلْقِ السمع إلى ما تضمّنته شروط دخول الطريقة التجانية التي يتحتّم عرضها على مريد دخول الطريقة التجانية ، وموافقته عليها قبل الإذن له بدخول الطريقة . فمن هذه الشروط المحافظة على الأمور الشرعية علما وعملا ، وبالأخصّ الصلوات الخمس وفي جماعة .
هذا كلّه يقطع ويؤكّد أنّ التربية الروحية التجانية رافد من روافد الشرع ، وينبوع من ينابيعها . وأكبر شاهد على أنّ التربية الروحية في الطريقة التجانية هي من صميم الشريعة ، هو أنّ الأوراد التجانية التي عليها مدار التربية التجانية ، والتي خصّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم شيخنا التجاني بها هي من أصول الأذكار الإسلامية التي جاء بها الكتاب والسنّة .
فالاستغفار أصل من أصول الإسلام ، أمر به القرآن الكريم في العديد من الآيات ، مثل قوله تعالى : فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (2) ، ومثل قوله تعالى : وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) ، والكلمة المشرّفة ( لا إله إلا الله ) مأمور بها في القرآن الكريم في عدّة آيات منها قوله تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (4) ، ومنه قوله تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) ، وهي الأصل الأوّل من أصول الإسلام .
والصلاة على الرسول صلّى الله عليه وسلّم مأمور بها في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (6) الإخوة الكرام :
بعد أن تبيّن لنا أنّ التربية الروحية في الطريقة التجانية هي من صميم الشريعة الإسلامية ، وقبس من نورها ، علينا أن نفصل القول في بيان حقيقة هذه التربية ، فأقول وبالله التوفيق ومنه العون : إنّ التربية الروحية في الطريقة التجانية تبدأ بالمحافظة على فرائض الشرع وواجباته ، والابتعاد عن محرّماته تجاوبا مع الحديث القدسيّ القائل : « وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه » ، رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة . فكلّ من ادّعى الانتساب إلى الحضرة التجانية وهو مفرّط في الفرائض والواجبات الشرعية ، ومنهمك في ارتكاب المعاصي ، فهو غير صادق في انتسابه إلى الحضرة التجانية ، ويخشى عليه ، إنْ تمادى على التقصير في الفرائض والواجبات، والجرأة على المحرّمات ، أنْ يرفع عنه الإذن في الطريق ، جزاءا وفاقا لتهاونه بالشرع .
وتدرج التربية التجانية ، بعد المحافظة على الفرائض واجتناب المحرّمات ، إلى الحرص على التقرّب إلى الله بالنوافل المأمور بها شرعا ، وهي كلّ فعل رغّبت الشريعة في فعله على جهة الاستحباب ، أو أمرت بالابتعاد عنه على جهة الكراهة . فلنستمع إلى الحديث القدسيّ وهو يحثّنا على التقرّب إلى الله بنوافل الخير ، ويبيّن لنا جزاء من يفعل ذلك . يقول الحقّ تبارك وتعالى في الحديث القدسيّ : « وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينّه ولئن استعاذني لأعيذنّه » .
فالتربية تمثّل الالتزام الكامل بالشرع في فرائضه ونوافله . فصاحب الالتزام الكامل بالشرع هو الإنسان الكامل الذي تستهدف التربية التجانية صنعه في أرض الواقع . والنموذج الأكبر للإنسان الكامل هو الرسول صلّى الله عليه وسلّم الذي تتجسّد فيه الشريعة كلّها ، فهو الشريعة الكاملة المتحركة ، فكلّ من اقتدى به في سلوكه كلّه فهو إنسان كامل تحقّقت فيه التربية الروحية وإن لم يكن متقيّدا بمناهج التربية الروحية المتعارفة عند الناس .
الإخوة الكرام :
إنّ التربية الروحية التي تعني التحقّق بالالتزام الكامل بالشريعة ليست أمرا متاحا لكلّ الناس على حدّ سواء ، بل هي غاية يتطلّب الوصول إليها مجاهدة النفس وقهرها حتى تستقيم على طريق الشرع وفق منهج الشرع . والناس في سلوك طريق التربية درجات وفقا لما خصّ الله كلّ إنسان من الاستعداد الفطري ، وما منحهم من الطاقة الروحية . فَهُمْ يتفاوتون في الالتزام بالشرع على قدر العطاء الإلهي الممنوح لهم ، فمنهم السابقون بالخيرات ، ومنهم المقتصدون ، ومنهم الظالمون لأنفسهم المفرّطون في فعل الواجبات ، والابتعاد عن المحرّمات .
ومن واقع هذا التفاوت في سلوكيات الناس ما جاء في حديث جبريل عليه السلام للرسول صلّى الله عليه وسلّم ليبيّن مراحل السير إلى الله تعالى التي هي محطّات عبور يعبرها كلّ من أراد أن يتحقّق بالكمالات الإيمانية والخُلُقية .
فلنستمع إلى الحوار الذي دار بين الرسول صلّى الله عليه وسلّم وبين جبريل عليه السلام لنعرف مدى التفاوت بين درجات السلوك الإيماني بين المسلمين .
فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: « بينما نحن عند رسول الله ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه مِنّا أحد حتى جلس إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلا قال صدقتَ قال فعجبنا له يسأله ويصدّقه قال فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت قال فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك قال فأخبرني عن الساعة قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل قال فأخبرني عن أماراتها قال أن تلد الأَمَةُ ربّتها وأن ترى الحفاة العراة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان قال ثمّ انطلق فلبثت مليّا ثم قال لي يا عمر أتدري من السائل قلت الله ورسوله أعلم قال فإنّه جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم » رواه مسلم .
الإخوة الكرام :
من واقع هذا الحديث يتبيّن لنا أنّ مقامات السير إلي الله تعالى تنحصر عمومًا في المقامات الثلاث المذكورة في حديث جبريل عليه السلام .
فمقام الإسلام هو مقام عوام المسلمين الذين بتقيّدون بظاهر الشريعة من النطق بالشهادتين ، والعمل بأركان الإسلام الخمس ، وذلك بفعل المأمورات وترك المنهيات . ويبدأ مقام الإسلام بالتوبة التي هي أوّل منازل مقام الإسلام ، وتندرّج إلى الاستقامة ، وتنتهي بالتقو ى .
ومقام الإيمان هو مقام خواصّ المسلمين الذين استقرّ اليقين في أعماق قلوبهم ، فتزوّدوا بالإخلاص القلبي الذي هو أوّل منازل مقام الإيمان ، ثم تدرّجوا إلى مترلة الصدق الذي هو صفاء المعاملة مع الله ، وحفظ القلب من الخواطر الشيطانية إلى أن استقرّوا في منزل الطمأنينة التي جعلتهم في معزل من الشكوك ، وفي سكينة لا تتطرّق إليها الأوهام .
ومقام الإحسان هو مقام خواصّ الخواصّ من عباد الله الذين تجرّدوا لطاعة الله تبارك وتعالى ، وأقبلوا عليه بقلوبهم وجوارهم دون الْتفاتٍ لسواه ، فأكرمهم الله بإضافة رحمته الخاصّة عليهم حيث بوّأهم أعلى درجات الكمال الروحي ، وخصّهم الله بمترلة المعرفة التي هي غاية الغايات للسائرين إلى الله . ومترلة المعرفة هي التي أشار إليها الحديث القدسيّ القائل: « وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينّه ولئن استعاذ بي لأعيذنّه » .
هدف التربية الروحية
إنّ الهدف الرئيسي للتربية الروحية التي تتبنّاها الطرق الصوفية هو الوصول إلي مقام الإحسان الذي هو مقام المعرفة الكاملة بالله تعالى التي عبّر عنها الرسول صلّى الله عليه وسلّم عندما سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان حيث قال صلّى الله عليه وسلّم : « الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك . » . ومقام الإحسان هو مقام تحقيق العبودية الكاملة لله تعالى حيث يتحقّق العبد بجميع الفضائل الأخلاقية ، ويتطهّر من جميع الرذائل الأخلاقية ، ممّا يكسبه محبّة الخالق الذي يتفضّل عليه بإفاضة رحمته الخاصّة عليه وهي كمال المعرفة بالله تعالى . هذا هو هدف التربية في جميع الطرق الصوفية ، وهو هدف التربية أيضًا في الطريقة التجانية .
الوسيلة إلي تحقيق التربية الروحية في الطريقة التجانية :
لقد قرّرت في بداية هذه المحاضرة أنّ التربية في الطريقة التجانية مبنيّة على قواعد الشرع . والشرع هو ميزانها الأوحد ، فما وافق الشرع فهو منها وما خالف الشرع فهي بريئة منه . وبهذا تقرّر أنّ أوّل وسيلة لسلوك طريق التربية التجانية هي الالتزام بالشرع واستصحاب ميزانه في جميع الحركات والسكنات ، فإن سقط ميزان الشرع من يد السالك التجاني فليلعم أنّه خارج إطار التربية التجانية . وإنّ الأولوية المطلقة لمريد التربية التجانية هي الالتزام بفرائض الشرع تحقيقا لما جاء في الحديث القدسي القائل : « وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه » ، ثمّ يأتي بعد الالتزام بالفرائض أن يتقرّب مريد التربية التجانية إلي الله تعالى بالحرص على التزوّد بنوافل الخيرات التي حثّ عليها الشرع من السنن والمستحبات وفضائل الأعمال ابتغاء مرضاة الله .
ويمثّل ذكر الله أهمّ وأفضل نوافل الخير التي يتقرّب بها العبد إلى الله تعالى في سيره في طريق التربية الروحية التجانية . فلنستمع إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم وهو يبيّن لنا أفضلية ذكر الله على جميع نوافل الخيرات . يقول عليه الصلاة والسلام : « ألا أنبّئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ذكر الله » ، رواه الترمذي والحاكم عن أبي الدرداء .
أذكار التربية التجانية
لقد خصّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم الشيخ سيّدي أحمد التجاني رضي الله عنه بأذكار أمَرَه بالمداومة عليها حتّى يصل إلي مقامه الموعود به عند الله تعالى . وهذه الأذكار عليها مدار التربية الروحية في الطريقة التجانية ، وهي الورد اللاّزم والوظيفة وذكر عصر الجمعة .
فكلّ من أراد سلوك طريق التربية الروحية في الطريقة التجانية عليه أن يتقيّد بهذه الأذكار جملة وتفصيلا ، وعليه أن يلتزم بشروطها وآدابها المقرّرة في كتب الطريقة . وقد نفى الرسول صلّى الله عليه وسلّم أن يكون دخول الخلوة أو اعتزال الناس من الشروط الرئيسية في التربية التجانية ، بل طلب من الشيخ التجاني رضي الله عنه المداومة على هذه الأذكار دون حاجة إلى الخلوة واعتزال الناس .
فلنستمع إلي الرسول صلّى الله عليه وسلّم وهو يرشد الشيخ التجاني رضي الله عنه إلى كيفية سلوك طريق التربية حيث قال له : « ألْزم هذه الطريقة من غير خلوة ولا اعتزال عن الناس حتّى تصل مقامك الذي وُعِدْتَ به وأنت على حالك من غير ضيق ولا حرج ولا كثرة مجاهدة » . هذه الوصيّة النبويّة للشيخ التجاني رضي الله عنه تمثّل منهج الطريقة التجانية في التربية الروحية ، وهو منهج مطابق لمنهج الشرع الإسلامي القائم على نفي الحرج تجاوبًا مع قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (7) ، وقوله تعالى : مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (8) ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم : « إنّ الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلاّ غلبه » رواه البخاري ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم : « يسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا » ، رواه البخاري ومسلم
فمنهج التربية التجانية هو منهج السلف الصالح من جيل الصحابة ، وهو منهج قائم على شكر المنعم سبحانه وتعالى والفرح به . فالسير في هذه الطريقة هو سير القلوب لا الأبدان . وهذا ما يميّز الطريقة التجانية عن غيرها من طرق التربية الصوفية التي تركّز على المجاهدات البدنية كوسيلة للتربية الروحية حيث يكون السير فيها سير الأبدان لا القلوب .
فلنستمع إلى سدي العربي بن السائح ، وهو من أكابر علماء الطريقة التجانية ، وهو يفصّل لنا القول فيما تتميّز به طريقة التربية التجانية عن غيرها من طرق التربية الروحية حيث يقول في كتابه (بغية المستفيد لشرح منية المريد) ما نصّه :
« ومرادنا من كون التربية في هذه الطريقة خالية عن التزام الخلوة والاعتزال عن الناس ونحو ذلك ممّا فيه تشديد على النفس وتضييق ، التنبيه على أنّ التربية فيها جارية على طريق السلف الصالح من الصدر الأوّل التي هي الطريقة الأصلية ، وهي طريقة الشكر والفرح بالمنعم سبحانه والرياضة القلبية ، لا على الطريقة الأخرى التي استنبطها واصطلح على التسليك بها من بعد القرون الثلاثة نظرا لما اقتضته العوارض الوقتية ، وهي طريقة المجاهدة والمكابدة والرياضة البدنية ، وفرق بينهما ، فإنّ السير في الأولى سير القلوب ، وفي الثانية سير الأبدان . ومعلوم أنّ الأهمّ الذي عليه المدار في طريق الوصول إلى حضرة الله تعالى هو سير القلوب ، بالنظر في أحوال القلب وما يصلحه وما يفسده على سنن الاعتدال ، والتقيّد بالشريعة المطهّرة ، والسنّة الشريفة المنوّرة ، لا على التضييق على النفس بالتقشّف ، والاستخشان في المأكل والملبس ، والكدّ والتعب من غير الْتفاتٍ إلى أحوال القلب على الحدّ الذي تقرّر ، وإنّما آثر من بعد القرون الثلاثة التسليك بالطريقة الثانية لمّا كثرت الأهواء ، وتشعّبت الآراء ، واستعانوا بذلك على تطهير النفس وتزكيتها ليستنير القلب ، ويتخلّص من كدورات الهوى . »




  1. سورة الشمس ، الآيات من 7 إلى 10 .
  2. سورة نوح ، الآية 10 .
  3. سورة المزمّل ، الآية 20 .
  4. سورة محمد ، الآية 19 .
  5. سورة آل عمران ، الآية 18 .
  6. سورة الأحزاب ، الآية 56 .
  7. سورة البقرة ، الآية 185 .
  8. سورة الحج ، الآية 78 .