نفحات7 ـ جواهر المعاني1 - الباب الرابع - الفصل الثاني :
الرّئيسيـة > مكتبـة على الـخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الأوّل > الباب الرابع > الفصل الثاني


في فضل ورده وما أعدّ الله لِتَالِيهِ ، وصفة المريد وحاله وما يقطعه عن أستاذه .

فأقول وبالله التوفيق وبه الإعانة وهو الهادي إلى سواء الطريق . قال رضي الله عنه : " أخبرني سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم يقظة لا مناما قال لي : أنت من الآمنين وكلّ من رآك من الآمنين إنْ مات على الإيمان ، وكلّ من أحسن إليك بخدمة أو غيرها ، وكلّ من أطعمك يدخلون الجنّة بلا حساب ولا عقاب " . ثمّ قال رضي الله عنه : " فلمّا رأيتُ ما صدر لي منه من المحبّة صلّى الله عليه وسلّم وصرّح لي بهذا تذكّرتُ الأحباب ومن وصلني إحسانهم ومن تعلّق بي بخدمة وأنا اسمع أكثرهم يقولون لي : نحاسبك بين يديْ الله إنْ دخلنا النار وأنت ترى ، فأقول لهم : لا أقدر لكم على شيء ، فلمّا رأيت منه صلّى الله عليه وسلّم هذه المحبّة سألته لكلّ من أحبّني ولم يُعَادِنِي بعدها ، ولكلّ من أحسن لي بشيء من مثقال ذرّة فأكثر ولم يعادني بعدها ، وآكد ذلك من أطعمني طعامه " . قال رضي الله عنه : " كلّهم يدخلون الجنّة بغير حساب ولا عقاب " . ثمّ قال رضي الله عنه : " وسألته صلّى الله عليه وسلّم لكلّ من أخذ عنّي ذِكْراً أنْ تُغفَر لهم جميعُ ذنوبهم وما تقدّم منها وما تأخّر وأن تُؤدَّى عنهم تبعاتهم من خزائن فضل الله لا مِن حسناتهم وأنْ يرفع الله عنهم محاسبته على كلّ شيء وأن يكونوا آمنين من عذاب الله من الموت إلى دخول الجنّة وأن يدخلوا الجنّة بلا حساب ولا عقاب في أوّل الزمرة الأولى وأن يكونوا كلّهم معي في عليّين في جوار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم . فقال لي صلّى الله عليه وسلّم : ضمنتُ لهم هذا كلّه ضمانة لا تنقطع حتّى تجاورني أنت وهُمْ في عليّين " .
ثمّ اعلم أنّي بعدما كتبتُ هذا من سماعه وإملائه علينا رضي الله عنه مِن حِفْظِه ولَفْظِه اطّلعت على ما أرسمه من خطّه ونصّه : " أسال من فضل سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنْ يضمن لي دخول الجنّة بلا حساب ولا عقاب في أوّل الزمرة الأولى أنا وكلّ أبٍ وأمٍّ وَلَدُونِي مِن أبَوَيّ إلى أوّل أبٍ وأمٍّ لي في الإسلام من جهة أبي ومن جهة أمي وجميع ما وَلَدَ آبائي وأمّهاتي مِن أبويّ إلى الجدّ الحادي عشر والجدّة الحادية عشر من جهة أبي ومن جهة أمّي من كلّ ما تناسل منهم من وقتهم إلى أنْ يموت سيّدنا عيسى بن مريم من جميع الذكور والإناث والصغار والكبار ، وكلّ مَن أحسن إليَّ بإحسان حِسِّي أو معنوي من مثقال ذرّة فأكثر وكلّ مَن نفعني بنفع حسّي أو معنوي من مثقال ذرّة فاكثر من خروجي من بطن أمي إلى موتي وكلّ من له عليّ مشيخة في علمٍ أو قرآنٍ أو ذِكْرٍ أو سِرٍّ مِن كلّ مَنْ لم يُعادني من جميع هؤلاء ، وأمّا مَن عاداني أو أبغضني فلا . وكلّ مَن أحبّني ولم يعادني وكلّ مَن والاني واتّخذني شيخا أو أخذ عنّي ذِكْرًا وكلّ مَن زارني وكلّ مَن خدمني أو قضى لي حاجة أو دعا لي ، كلّ هؤلاء ، مِنْ خروجي من بطن أمّي إلى موتي ، وآبائهم وأمّهاتهم وأولادهم وبناتهم وأزواجهم ووالدي أزواجهم ، وكلّ مَن أرضعني وأولادهم وبناتهم ووالديهم ووالدي أزواجهم ، يضمن لي سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لجميع هؤلاء أنْ نموت أنا وكلّ حيّ منهم على الإيمان والإسلام ، وأن يؤمّننا الله وجميعهم من جميع عذابه وعقابه وتهويله وتخويفه ورعبه وجميع الشرور من الموت إلى المستقرّ في الجنّة ، وأن تُغفَر لي ولجميعهم جميع الذنوب ما تقدّم منها وما تأخّر ، وأن تُؤدَّي عنّي وعنهم جميع تبعاتنا وتبعاتهم وجميع مظالمنا ومظالمهم من خزائن فضل الله عزّ وجلّ لا من حسناتنا ، وأن يُؤَمِنّي الله عزّ وجلّ وجميعهم من جميع محاسبته ومناقشته وسؤاله عن القليل والكثير يوم القيامة ، وأن يظلّني وجميعهم في ظلّ عرشه يوم القيامة وأن يجيزني ربّي وكلّ واحد من المذكورين على الصراط أسرع من طرفة العين على كواهل الملائكة ، وأن يسقيني الله وجميعهم من حوض سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم يوم القيامة ، وأن يُدخِلني ربّي وجميعهم جنّته بلا حساب ولا عقاب في أوّل الزمرة الأولى ، وأن يجعلني ربّي وجميعهم مستقرّين في الجنّة في عليّين من جنّة الفردوس ومن جنّة عَدْنٍ . أسال سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالله أنْ يضمن لي ولجميع الذين ذكرتهم في هذا الكتاب جميع ما طلبت من الله لي ولهم في هذا الكتاب بكماله كله ضمانا يوصلني وجميع الذين ذكرتهم في هذا الكتاب إلى كلّ ما طلبته من الله ولهم " . فاجاب صلّى الله عليه وسلّم بقوله الشريف : " كلّ ما في هذا الكتاب ضمنته لك ضمانة لا تتخلّف عنك وعنهم أبدا إلى أنْ تكون أنت وجميع من ذكرتَ في جواري في أعلى عليّين ، وضمنتُ لك وجميع ما طلبته منّا ضمانة لا يخلف عليك الوعد فيها والسلام " .
ثمّ قال رضي الله عنه : " وكلّ هذا وقع يقظة لا مناما وأنتم جميع الأحباب لا تحتاجون إلى رؤيتي إنّما يحتاج إلى رؤيتي من لم يكن حبيبا لي ولا آخذ عنّي ذِكْراً ولا أكلتُ طعامه وأمّا هؤلاء فقد ضمنهم لي بلا شَرْطِ رُؤْيَةٍ مع زيادة أنهم معي في عليّين .
ولا يظنّ ظانّ أنّ عليّين هي وعموم الجنّة على حدّ سواء ، بل النسبة بينهما لو خرجتْ حبّة عنب أو غيرها من الثمار التي في الجنّة الأولى إلى الدنيا فضلا عن الحور لأطفأتْ نور الشمس ، ولو خرجت حبّة عنب أو غيرها من الجنّة الثانية إلى الأولى لأطفأت جميع أنوارهم وفتنتهم ، ولو خرجت حبّة عنب أو غيرها من الجنة الثالثة إلى الثانية لأطفأت جميع أنوارهم ، ولو خرجت حبّة عنب أو غيرها من الجنّة الرابعة إلى الثالثة لأطفأت جميع أنوارهم ، ولو خرجت حبّة عنب أو غيرها من الجنّة الخامسة إلى الرابعة لأطفأت جميع أنوارهم ، ولو خرجت حبّة عنب أو غيرها من الجنّة السادسة إلى الخامسة لأطفأت جميع أنوارهم ، ولو خرجت حبّة عنب أو غيرها من الجنّة السابعة إلى السادسة لأطفأت جميع أنوارهم ، وهي الفردوس أيّ السابعة ، وعليّون فوق الفردوس ، ولو خرجت منه حبّة عنب أو غيرها إلى الفردوس لأطفأت جميع أنوارهم وفتنتهم عن كلّ ما عندهم ، وعليّون مقام الأنبياء وأكابر الأولياء من هذه الأمّة ومَنِ اهتدى من الأمم السابقة من غير نبوّة لا مَنْ عداهم ، فاعرف النسبة بين عليّين والجنّات وقِسْ عليه كلّ ما خلق الله في الجناّت مِن حُورٍ وقصور وغيرها ، فإذا تأمّلت هذا عرفت قدر جنّة عليّين والجنّات وأيّ نسبة بينهم ، وقد تفضّل لي صلّى الله عليه وسلّم حتّى ضمن لي دخول مَن ذَكَرْتُهم إليه بلا حساب ولا عقاب واستقرارهم فيها . وأنّ مَن رآني فقط غايته يدخل الجنّة بلا حساب ولا عقاب ولا يعذّب ولا مطمع له في عليّين إلاّ أنْ يكون ممّن ذكرتهم وَهُمْ أحبابنا ومن أحسن إلينا ومن آخذ عنّا ذِكْراً فإنّه يستقرّ في عليّين معنا ، وقد ضمن لنا هذا بوعد صادق لا خلف له ، إلاّ أني استثنيتُ من عاداني بعد المحبّة والإحسان فلا مطمع له في ذلك . وطلبتُه أيضا أنْ يموتوا كلّهم على الإسلام فإنْ كنتم متمسّكين بمحبّتنا فابشروا بما أخبرتكم به فإنّه واقع لجميع الأحباب قطعا" . أهـ .
ثمّ قال رضي الله عنه : " مَن أخذ عنّي الورد المعلوم الذي هو لازم للطريقة أو عمّن أذنته يدخل الجنّة هو وولده وأزواجه وذريّاته المنفصلة عنه لا الحفدة بلا حساب ولا عقاب بشرط أنْ لا يصدر منه سَبٌّ ولا بُغْضٌ ولا عداوةٌ ويداوم محبّةً الشيخ بلا انقطاع إلى الممات وكذلك مداومة الورد إلى الممات " .
ثمّ قال رضي الله عنه : " قلتُ لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم : هذا الفضل هل هو خاصّ بمن أخذ عنّي الذكر مشافهة أو هو لكلّ من أخذه ولو بواسطة ؟ فقال لي : كلّ من أذنته وأعطى لغيره فكأنّه أخذه عنك مشافهة وأنا ضامن لهم . وهذا الفضل شامل لمن تلا هذا الورد سواء رآني أو لم يَرَنِ " .
وأخبره عليه الصلاة والسلام بقوله عليه الصلاة والسلام : " بعزّة ربّي يوم الاثنين ويوم الجمعة لم أفارقك فيهما من الفجر إلى الغروب ومعي سبعة أملاك وكلّ مَن يراك في اليومين يكتب الملائكة اسمه في رقعة من ذهب ويكتبونه من أهل الجنّة وأنا شاهد على ذلك وتُكْثِرُ من الصلاة عليّ في هذين اليومين فكلّ صلاة تُصَلِّيهَا عليَّ أسمعك وأردّ عليك وكذا جميع أعمالك تُعرضُ عليّ والسلام " .
قلتُ : وهذه الكرامة العظيمة المقدار ، وهي دخول الجنّة بلا حساب ولا عقاب لمن أخذ ورده ودخول والديه وأزواجه وذريّاته ، لم يقعْ لأحدٍ من الأولياء ولا بلغنا مِن أخبار ساداتنا الأولياء رضي الله عنهم ، وإنْ وقع لهم أنّ من رأى مَن رآهم يدخل الجنّة كالشيخ عبد القادر الجيلاني وسيّدي عبد الرّحمن الثعالبي ومولاي التهامي رضي الله عن جميعهم لم ينقل عن أحد من هؤلاء عدم الحساب والعقاب لأصحابه أو لمن رآه كما وقع لشيخنا رضي الله عنه وإنْ كانوا كلّهم ذكروا دخول الجنّة كما قدّمنا لكن هذه خصوصية لسيّدنا رضي الله عنه ولأصحابه .
ومع هذا قال رضي الله عنه محذّرًا لأصحابه ومرشدًا لهم لِمَا فيه صلاحهم : " أقول لكم أنّ سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم ضمن لنا أنّ مَن سَبَّنَا وداوم على ذلك ولم يتب لا يموت إلاّ كافراً ، وأقول للإخوان مَن أخذ وردنا وسمع ما فيه من دخول الجنّة بلا حساب ولا عقاب وأنّه لا تضرّه معصية ، أنَّ مَن سمع ذلك وطرح نفسه في معاصي الله لأجل ما سمع واتّخذ ذلك حبالة إلى الأمان من عقوبة الله في معاصيه ألْبس الله قلبه بغضنا حتّى يَسُبَّنَا ، فإذا سبّنا أماته الله كافرا . فاحذروا مِن معاصي الله ومِن عقوبته ، ومَن قضى الله عليه بذنبٍ منكم ، والعبد غير معصوم ، فلا يقربنّه إلاّ وهو باكي القلب خائفا من عقوبة الله ، والسلام " .
ولنذكرْ هنا أبياتا في فضل الورد لبعض الأدباء قال :
تجاننا بيته بالذكر معمـــــور      وبالصلاة وبالخيرات مغمـــور
موقت فيه ذكر الله ما طلعــــت     شمس وما غربت وهذا مشهــور
أحيا طريقة أهل الله  فهـــي به      مؤلف جمعها والكسر  مجبــور
شيخ المشائخ من في طرف  بردته      جيب على النور والأسرار مزرور
مَن دارُه جنّة الفردوس وهو  بهـا      رضوان خازنها أزهارها  الحـور
يفيض من سلسبيل الذكر كوثرهـا      فاشـرب مُفَجّرَهـا فأنت مأجـور
أوراده عن رسول الله قد رُوِيَــتْ      كذاك أفعاله والسرّ مأثـــــور
فانقل فَدَيْتُكَ في آثاره  قَدَمــــاً      فإنْ نقلـتَ فذاك النقل  مدخــور
واحرص بأن تنتمي يوما لجانبـه      فحَظُّ مَن  ينتمي إليه  موفـــور
ولازم أوراده في نفسٍ أو مـــلإٍ      فذاكر الله عند الله مذكـــــور
فلتغتبطْ بها أيّها المريد واعلم أنّها في حقّك من الأمر الأكيد لا تزال عاكفًا عليها صباحًا ومساءًا فإنّها مِن أعظم الوسائل لكلّ طالب وسائل ، فطيِّبْ بها حياتك وعَمِّرْ بسردها أوقاتك عسى الله أنْ يجعل فيها نجاتك فليس للعبد مِن دنياه إلاّ ما أفناه في طاعة مولاه وما سوى ذلك فلينبذْهُ وراءه ، وفي هذا القدر كفاية لِمَنْ سبقتْ له مِنَ الله العناية . وهذا الذي ذكرناه هو فضل الورد الذي هو لازم للطريقة ، الذي لقّنه لسيّدنا رضي الله عنه سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وَأَمَرَهُ بإعطائه لكافّة الخلق .
وأمّا فضل الأذكار على التفصيل فأقول وبالله التوفيق : قال مولانا جلّ مِنْ قائل : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ (1) . عن قتادة رضي الله عنه قال : " أنّ القرآن يدلّكم على دائكم ودوائكم أمّا داؤكم فذنوبكم وأمّا داواؤكم فالاستغفار ". وأخرج الترمذي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « أنزل الله عليَّ أمانين لأمتي وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (2) فإذا مضيتُ تركتُ فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة » . وأخرج أحمد عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال : « العبد آمن من عذاب الله ما استغفر الله » . وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : « من قال استغفر الله الذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيوم وأتوب إليه خمس مرّات غفر له وإن كان عليه مثل زبد البحر . » وقال تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا . (3) .
وأمّا فضل صلاة والفاتح لما أغلق فقد سمعت شيخنا رضي الله عنه يقول : " كنتُ مشتغلا بذكر صلاة والفاتح لما أغلق حين رجعت من الحجّ إلى تلمسان لِمَا رأيتُ مِن فضلها وهو أنّ المرّة الواحدة بستمائة ألف صلاة كما هو في وردة الجيوب ، وقد ذَكَرَ صاحب الوردة أنّ صاحبها سيّدي محمّد البكري الصديقي نزيل مصر ، وكان قطبا رضي الله عنه ، قال: أنّ مَن ذَكَرَهَا مرّة ولم يدخل الجنّة فليقبض صاحبها عند الله ، وبقيتُ أذكرها إلى أنْ رحلتُ من تلمسان إلى أبي سمغون ، فلمّا رأيتُ الصلاة التي فيها المرّة الواحدة بسبعين ألف ختمة من دلائل الخيرات تركتُ الفاتح لما أغلق الخ واشتغلتُ بها ، وهي : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ صَلاَةً تَعْدِلُ جَمِيعَ صَلَوَات أَهْلِ مَحَبَّتِكَ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ سَلاَمًا يَعْدِلُ سَلاَمَهُمْ ، لِمَا رأيتُ فيها من كثرة الفضل . ثمّ أمرني بالرجوع صلّى الله عليه وسلّم إلى صلاة الفاتح لما أغلق . فلمّا أمرني بالرجوع إليها سألتُه صلّى الله عليه وسلّم عن فضلها . أخبرني أولا : بأنّ المرّة الواحدة منها تعدل من القرآن ستّ مرّات ، ثمّ أخبرني ثانيا : أنّ المرّة الواحدة تعدل من كلّ تسبيح وقع في الكون ومن كلّ ذِكْرٍ ومن كلّ دعاء كبير أو صغير ، ومِنَ القرآن ستة آلاف مرّة لأنّهُ من الأذكار ، ومن جملة الأدعية الدعاء السيفي ، ففي المرّة الواحدة منه ثواب صوم رمضان وقيام ليلة القدر وعبادة سَنَةٍ ، وسورة القدر مثله في الثواب كما أخبرني به سيّدنا رضي الله عنه عن سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم . وأعظم من السيفي دعاء يا مَنْ أظهر الجميل الخ . قال الراوي : « جاء به جبريل إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقال له : أتَيْتُكَ بهدية ، قال : وما تلك الهدية ، فذكَر هذا الدعاء ، فقال صلّى الله عليه وسلّم : ما ثواب مَن قرأ هذا الدعاء ، فقال له جبريل : لو اجتمعت ملائكة سبع سموات على أنْ يصفوه ما وصفوه إلى يوم القيامة وكلّ واحد يصف ما لا يصفه الآخر فلا يقدرون عليه ، ومِنْ جملة ذلك أنّ الله يقول فيه : أُعطيه من الثواب بعدد ما خلقت في سبع سموات وفي الجنة والنار وفي العرش والكرسي وعدد القطر والمطر والبحار وعدد الحصى والرمل ، ومِنْ جملتها أيضا : أنّ الله يعطيه ثواب جميع الخلائق ، ومِن جملتها أيضا : أنّ الله تعالى يعطيه ثواب سبعين نبيّا كلّهم بلغوا الرسالة إلى غير ذلك » . وهذا حديث صحيح ثابت في صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ، وجدّه هو عبد الله بن عمرو بن العاص من أكابر الصحابة رضي الله عنه . صحّحه الحاكم وقال روّاته كلّهم مدنيون . إنتهى ما أملاه علينا شيخنا رضي الله عنه عن حفظه ولفظه .
ثمّ قال سيدنا رضي الله عنه : " وأمّا صلاة الفاتح لما أغلق الخ فإنّي سألته صلّى الله عليه وسلّم عنها فاخبرني أوّلا : أنّها بستمائة ألف صلاة ، فقلت له : هل في جميع تلك الصلوات أجْر مَن صلَّى بصلاة مفردة ؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم : ما معناه : نعم يحصل في كلّ مرّة منها أجر مَن صلّى بستمائة ألف صلاة مفردة " .
وسألته صلّى الله عليه وسلّم : " هل يقوم طائر واحد على الحدّ المذكور في الحديث لكلّ صلاة وهو الطائر الذي له سبعون ألف جناح إلى آخر الحديث أم يقوم منها في كلّ مرّة ستمائة ألف طائر على تلك الصفة وثواب تسبيحهم للمصلِّي على النبي صلّى الله عليه وسلّم ؟ " فقال صلّى الله عليه وسلّم : بل يقوم منها في كلّ مرّة ستمائة ألف طائر على تلك الصفة في كلّ مرّة . ثمّ قال رضي الله عنه : " فسألته صلّى الله عليه وسلّم عن حديث : « أنّ الصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم مرّة تعدل ثواب أربعمائة غزوة كلّ غزوة تعدل أربعمائة حَجَّة » هل صحيح أم لا ؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم : بل صحيح . فسألته صلّى الله عليه وسلّم عن عدد الغزوات هل يقوم من صلاة الفاتح لما أغلق الخ مرّة أربعمائة غزوة أم يقوم أربعمائة غزوة لكلّ صلاة من الستمائة ألف صلاة أو كلّ صلاة على انفرادها أربعمائة غزوة ؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم ما معناه : أنّ صلاة الفاتح لما أغلق بستمائة ألف صلاة وكلّ صلاة من الستمائة ألف صلاة بأربعمائة غزوة . ثمّ قال بعده صلّى الله عليه وسلّم : إنّ مَنْ صلّى بها - أيّ بالفاتح لما أغلق الخ - مرّة واحدة حصل له ثواب ما إذا صلّى بكلّ صلاة وقعت في العالم مِنْ كلّ جِنٍّ وإنسٍ ومَلَكٍ ستمائة ألف صلاة مِن أوّل العالم إلى وقت تلفّظ الذاكر بها ، أيّ كأنّه صلّى بكلّ صلاةٍ ستمائة ألف صلاةٍ مِن جميع المُصلِّينَ عموما ملكًا وجنًا وإنسًا وكلّ صلاة من ذلك بأربعمائة غزوة وكلّ صلاة من ذلك بزوجةٍ مِنَ الحور وعشر حسنات ومَحْوِ عشر سيّئات ورفْعِ عشر درجات وأنّ الله يصلّي عليه وملائكته بكلّ صلاة عشر مرات " . قال الشيخ رضي الله عنه : " فإذا تأمّلتَ هذا بقلبك علمتَ أنّ هذه الصلاة لا تقوم لها عبادة في مرّة واحدة فكيف مَنْ صلّى بها مرّات ماذا له من الفضل عند الله ، وهذا حاصل في كلّ مرّة منها " . ثمّ قال الشيخ رضي الله عنه : " وأخبرني صلّى الله عليه وسلّم أنّها لم تكن من تأليف البكري - أيّ صلاة الفاتح لما أغلق الخ - ولكنّه تَوَجّهَ إلى الله مدّة طويلة أنْ يمنحه صلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم فيها ثواب جميع الصلوات وسِرّ جميع الصلوات وطال طلبه مدّة ثمّ أجاب الله دعوته فأتاه الملك بهذه الصلاة مكتوبة في صحيفة من النور " . ثمّ قال الشيخ رضي الله عنه : " فلمّا تأمّلتُ هذه الصلاة وَجَدْتُهَا لا تَزِنُهَا عبادة جميع الجنّ والإنس والملائكة " . قال رضي الله عنه : " وقد كان أخبرني صلّى الله عليه وسلّم عن ثواب الاسم الأعظم ، فقلتُ : إنّها أكثر منه ؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم : بل هو أعظم منها ولا تقوم له عبادة " . قال رضي الله عنه : " في المرّة الواحدة من الاسم بستة آلاف مرة من صلاة والفاتح لما أغلق الخ ، والمرّة الواحدة منها تعدل من كلّ ذِكْرٍ ومِن كلّ تسبيح ومِن كلّ استغفار ومِن كلّ دعاء في الكون صغيرًا أو كبيرًا ستّة آلاف مرة كما سبق . فقال الشيخ رضي الله عنه :يكتب لذاكر الفاتح لما أغلق مرة ستة آلاف مِن ذِكْرِ كلِّ حيوانٍ وجمادٍ ، وذِكْرُ الجمادات هو ذِكْرُهَا للاسم القائم بها لأنّ كلّ ذرّة في الكون لها اسم قائمة به ، وأمّا الحيوانات فأذكارها مختلفة " . وهذا ما أخبر به سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم سيّدنا رضي الله عنه مِنْ فضْل الفاتح لما أغلق الخ . ثمّ قال سيّدنا رضي الله عنه : " وأمّا قدْر صلاة الفاتح لما أغلق الخ فالمرّة الواحدة منها إذا ذكرتَها تعادل عبادة ثمانية وعشرين ومائة عام ، أعني للمستغرقين فيها على تقدير أنّهُ كلّ يوم يذكر عشرة آلاف بين الليل والنهار من صلاة والفاتح لما أغلق " ، فقلتُ له : هذا بالنظر إلى الذاكرين معك ؟ قال : " نعم " ، لأنّهُ أخبرنا مَهْمَا ذَكَرَ ذِكْراً إلاّ وذَكَرَ معه سبعون ألف مَلَكٍ والمرّة الواحدة من أذكارهم ، أيّ من كل واحد من الملائكة المذكورين ، تضاعف بسبعين ألف مرّة وثواب أذكارهم كلّها لسيّدنا كرامة من الله وموهبة له . وقد تفضّل شيخنا وسيّدنا وأستاذنا على أصحابه بكلّ من ذكر منهم ذِكْرًا إلاّ ويذكر معه سبعون ألف ملك فضلا من الله ورحمة وموهبة وكرامة والسلام . ثمّ قال رضي الله عنه : " ومِنَ الأدعية مَنْ فضلُه يعدل قيام ليلة القدر مرّة واحدة كالسيفي كما تقدّم " .
فإذا تأمّلتَ فضل مرّة واحدة من الاسم من فضل ليلة القدر بالنسبة لفضل دعاء واحد كالسيفي وجدت المرة الواحدة من الاسم ستة وثلاثين ألف ألف ليلة القدر لانّ المرّة الواحدة من الاسم بستة آلاف من الصلاة المذكورة والمرّة منها بستة آلاف من الدعاء المذكور ، فإذا ضربتَ ستة آلاف في ستة آلاف كان الخارج ستة وثلاثين ألف ألف هذا في المرّة الواحدة بالنسبة إلى دعاء واحد . وأمّا فوق المرّة من الاسم فلا يعلم قدره إلاّ الله ، فسبحان من يؤتى فضله من يشاء ، فهنيئا ثمّ هنيئا لمن أوتي هذا الفضل العظيم لا أحرمنا الله منه وكافّة المحبّين بمنِّه وكرمه ، آمين .
وسألته رضي الله عنه عن صلاة الفاتح لما اغلق ... الخ لأنّها خالية عن السلام لأمر أوجبه ؟ . (فأجاب رضي الله عنه) بقوله : " وأمّا سؤالكم عن صلاة الفاتح لما اغلق ... الخ فإنّها وَرَدَتْ من الغيب على هذه الكيفية وما وَرَدَ من الغيب كماله ثابت خارج عن القواعد المعلومة ليست من تأليف مؤلِّف ، ووراء هذا أنّ كيفياتٍ وردت عنه صلّى الله عليه وسلّم في الصلاة الخالية من السلام هي كيفيات نبويّة مُتَعَبَّد بها ، فلا الْتفات لِما يقوله الفقهاء والسلام " .
وخاصية الفاتح لما أغلق الخ آمرٌ إلهيّ لا مدخل فيه للعقول . فلو قدّرتَ مائة ألف أُمّة في كلّ أمّة مائة ألف قبيلة في كلّ قبيلة مائة ألف رَجُلٍ وعاش كلّ واحد منهم مائة ألف عام يَذْكُرُ كلٌّ منهم في كلّ يوم ألف صلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مِنْ غير صلاة الفاتح لما أغلق ... الخ وجُمِعَ ثوابُ هذه الأمم كلّها في مدّة هذه السنين كلّها في هذه الأذكار كلّها ما لحقوا كلهم ثواب مرّة واحدة من صلاة الفاتح لما أغلق . فلا نلتفتْ لتكذيب مُكَذِّبٍ ولا لقَدْحِ قادِحٍ فيها فإنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ، فإنّ لله سبحانه وتعالى فضلا خارجًا عن دائرة القياس ، ويكفيك قوله سبحانه وتعالى : وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (4) . فما توجّهَ مُتوَجِّهٌ إلى الله تعالى بعمل يبلغها وإنْ كان ما كان ، ولا توجّهَ مُتوجِّهٌ إلى الله تعالى بعملٍ أحبّ إليه منها ولا أعظم عند الله حُظوة منها إلاّ مرتبة واحدة وهي مَن توجّه إلى الله تعالى باسمه العظيم الأعظم لا غير ، هو غاية التوجّهات والدرجة العليا مِن جميع التعبّدات ، ليس لفضله غاية ولا فوق مرتبة نهاية . وهذه صلاة الفاتح لما اغلق ... الخ تليه في المرتبة والتوجّه والثواب والفوز بمحبّة الله لصاحبها وحسن المآب ، فمَن توجّه إلى الله تعالى مصدّقا بهذا الحال فاز برضى الله وثوابه في دنياه وأخراه بما لا تبلغه جميع الأعمال يشهد بهذا الفيض الإلهي الذي لا تبلغه الآمال ، ولا يحصد هذا الفضل المذكور إلاّ مع التسليم ، ومن أراد المناقشة في هذا الباب وهذا المحلّ فليُترَكْ فإنّه لا يفيد استقصاء حجج المقال ، واترك عنك محاججة من يطلب منك الحجج فإنّ الخوض في ذلك ، رَدّاً وجَوَابًا ، كالبحر لا تنقطع منه الأمواج ، والقلوب في يد الله هو المتصرّف فيها والمُقْبل بها والمُدبِر بها ، فمن أراد الله سعادته والفوز بثواب هذه الياقوتة الفريدة جذب الله قلبه للتصديق بما سمعه فيها وعرّفه التسليم لفضل الله سبحانه وتعالى بأنّه لا يأخذه الحدّ والقياس فصرف همّته في التوجّه إلى الله تعالى بها والإقبال على الله بشأنها ، فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ (5) ، ومن أراد الله حرمانه من خيرها صرف الله قلبه بالوسوسة وبقوله : مِن أين يأتي خبرها ؟ فاشتغل بما قلناه لك ومن أطاعك في ذلك ، وأعرض عن مناقشتك في البحث بتحقيق ذلك ، فإنّا أخذناه من الوجه الذي تعلمه ، وكفى . أهـ . ممّا كتبه إليه سيّدنا بعد سؤالنا له والسلام .
وسألته رضي الله عنه هل خَبَرُ سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم بعد موته كحياته سواء ؟ ، فأجاب رضي الله عنه بما نصّه قال : " الأمر العامّ الذي كان يأتيه عامّا للأمّة طُوِيَ بساطُ ذلك بعد موته صلّى الله عليه وسلّم ، وبقي الأمر الخاصّ الذي كان يُلقيه للخاصّ فإنّ ذلك في حياته وبعد مماته دائما لا ينقطع ، وإنّ صلاة الفاتح لما اغلق أفضل من جميع وجوه الأعمال والعبادات وجميع وجوه البرّ على العموم والإطلاق وجميع وجوه الشمول والإمكان إلاّ ما كان من دائرة الإحاطة فقط فإنّ ذِكْرَهُ أفضل منها بكثير دون غيره من الأعمال ، والسلام " .
فإنْ قلتَ : ربما يُطْلِعُ الله بعض القاصرين ومن لا علم له بسعة الفضل والكرم فيقول : إذا كان هذا كما ذُكرتم فينبغي الاشتغال به أوْلى من كلّ ذِكْرٍ حتّى القرآن ، قلنا له : بل تلاوة القرآن أوْلى لأنّها مطلوبة شرعا لأجل الفضل الذي وَرَدَ فيه ، ولكونه أساس الشريعة وبساط المعاملة الإلهية ، ولِما وَرَدَ في ترْكِه مِن الوعيد الشديد ، فلهذا لا يحلّ لقارئه ترْك تلاوته ، وأمّا فضل الصلاة التي نحن بصددها فإنّها من باب التخيير لا شيء على مَن تَرَكَهَا . وثانيا : إنّ هذا الباب ليس موضوعا للبحث والجدال بل هو من فضائل الأعمال وأنت خبير بما قاله العلماء في فضائل الأعمال مِن عدَم المناقشة فيها .
وقد أجاب سيّدنا رضي الله عنه عن هذه المعارضة قائلا : " لا معارضة بين هذا وبين ما ورد من فضل القرآن والكلمة الشريفة لأنّ فضل القرآن والكلمة الشريفة عامّ أريد به العموم وهذا خاصّ ، ولا معارضة بينهما لأنّهُ كان صلّى الله عليه وسلّم يُلقِي الأحكام العامّة للعامّة في حياته ، يعني إذا حرّم شيئا حرمه على الجميع وإذا افترض شيئا افترضه على الجميع ، وهكذا سائر الأحكام الشرعية الظاهرة . ومع ذلك كان صلّى الله عليه وسلّم يُلقِي الأحكام الخاصّة للخاصة ، وكان يخصّ ببعض الأمور بعض الصحابة دون بعض وهو شائع ذائع في أخباره صلّى الله عليه وسلّم . فلمّا انتقل إلى الدار الآخرة ، وهو كحياته صلّى الله عليه وسلّم في الدنيا سواء ، صار يُلقِي إلى أمّته الأمر الخاصّ للخاصّ ولا مدخل للأمر العامّ فإنّه انقطع بموته صلّى الله عليه وسلّم وبقي فيضه للأمر الخاصّ للخاصّ . ومَنْ توهّم أنّهُ صلّى الله عليه وسلّم انقطع جميع ممده عن أمّته بموته صلّى الله عليه وسلّم كسائر الأموات فقد جهل رتبة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأساء الأدب معه ويُخشى عليه أنْ يموت كافرا إنْ لمْ يَتُبْ عن هذا الاعتقاد " . أهـ .
قلت لسيّدنا رضي الله عنه : وهل كان سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم عالم بهذا الفضل المتأخّر في وقته ؟ قال : " نعم هو عالم به " ، قلت : ولِمَ لَمْ يذكُرْه لأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين لِمَا فيه من هذا الخير الذي لا يُكَيَّف ؟ قال : " مَنَعَهُ أمران ، الأوّل : أنّهُ عَلِمَ بتأخير وقته وعدم وجود مَن يُظهِره الله على يده في ذلك الوقت ، الثاني : أنّهُ لو ذكر لهم هذا الفضل العظيم في هذا العمل القليل لطلبوا منه أنْ يبيّنه لهم لشدّة حرصهم على الخير ولم يكن ظهوره في وقتهم ، فلهذا لم يذكره لهم . ونَظَرٌ آخر غير ما تقدّم ، وهو أنّ الله تبارك وتعالى لمّا عَلِمَ ضعف أهل الزمان وما هُمْ عليه من التخليط والفساد رَحِمَهم وجاد عليهم بخير كثير في مقابلة عمل يسير ، يختصّ برحمته من يشاء في الوقت الذي يشاء . ولا يُقال أنّ خبره بعد موته ليس كخبره في حياته بل هما سيّان في جميع ما أخبر به صلّى الله عليه وسلّم إلاّ في التفصيل المتقدّم من العامّ للعامّ والخاصّ للخاصّ " . ثمّ قال سيّدنا رضي الله عنه : " وهذا الفضل المذكور فيما دون الفرائض ، وأمّا هي فَلَا ، لحديث « أيّ الأعمال أفضل يا رسول الله ، قال صلّى الله عليه وسلّم : الصلاة في أوّل مواقيتها » ، الحديث " . قلت لسيّدنا رضي الله عنه : يُفهَم ممّا تقدّم أنّ صاحب هذه الصلاة الذي يذكرها له فضلٌ أكثر مِن جميع مَن تَقَدّمَه مِن عباد الله المؤمنين لكون جميع صلواتهم على النبي صلّى الله عليه وسلّم وجميع أذكارهم وأورادهم تُضاعف له كما تقدّم في فضل صلاة الفاتح لما أغلق إلاّ نوع واحد وهو قول دائرة الإحاطة فلا مدخل له هنا ولا يتناوله هذا التضعيف ؟ قال سيّدنا رضي الله عنه : " هو كما ذكرتم من تضعيف الأعمال لصاحبها ولكن كلّ واحد من الصحابة الذين بلغوا الدين مكتوبٌ في صحيفته جميع أعمال مَنْ بَعْدَهُ من وقته إلى هذه الأمّة فإذا فُهِمَ هذا ففضل الصحابة لا مطمع فيه لمن بعدهم ولو كان من أهل هذا الفضل المذكور من هذا الباب لمرتبة الصحبة " . ثمّ ضرب مثلا رضي الله عنه لعمل الصحابة مع غيرهم ، قال : " عَمَلُنَا مِن عَمَلِهِم كَمَشْيِ النملة مع سرعة طيران القطاة " . وصدق رضي الله عنه في ما مثّل به لأنّهم رضي الله عنهم حازوا قصب السبق بصحبة سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم ، وقال في حقّهم صلّى الله عليه وسلّم : « إنّ الله اصطفى أصحابي على سائر العالمين ما عدا النبيّين والمرسلين » ، وقال صلّى الله عليه وسلّم : « لو أنفق أحَدُكُم مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه » . وذكر سيّدنا رضي الله عنه وجهًا آخر لبيان فضل أهل المراتب فقال : " إنّ الثواب المتقدّم ذِكْرُهُ بسبب خاصيّة الأذكار كما قدّمنا إنّما هو المعتاد لكلّ عامل ، مثلا إذا كان يحصل له في ذكره عشر حسنات أو مائة أو ألف أو أكثر فهذه هي التي يتضاعف فضلها لعامل الخاصيّة كصلاة الفاتح وغيرها ، وهذا بالنظر لغير أهل المراتب ، وأمّا هُمْ فيتضاعف لهم العمل بحسب مراتبهم ، فليس مرتبة الرسالة كمرتبة النبوّة ولا الصديقية كالنبوّة ولا يشملهم القياس ، وأمّا ما هو بالنظر للغالب أو للجميع مع قطْع النظر عن المرتبة فَلَا ، ولذلك قال سيّدنا جبريل عليه السلام للنبي صلّى الله عليه وسلّم : « إنّ عمر حسنة من حسنات أبي بكر بعد أنْ قال له لو حدّثْتُكَ بفضائل عُمَر قدر عُمُرِ الدنيا ما فرغتُ » ، مع أنّهما كانا في العمل سواء أو متقاربيْن وإنّما سبقه بحسب المرتبة لا بحسب العمل ، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم : « ما فضلكم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة وإنّما فضلكم بشيء وقّر في صدره » رضي الله عنه وعن أصحاب رسول الله أجمعين .
وسمعتُ سيّدنا رضي الله عنه يذكر تفاوت الأولياء في العمل والثواب ، قال : " منهم مَن يَوْمُهُ كالمعتاد لغيره ، ومنهم مَن يومه كليلة القدر ، ومنهم من يومه بألف سنة ، ومنهم من يومه كيوم المعراج خمسين ألف سنة " . فقلت له : هذا في نفس العمل أو في تضاعف الثواب ؟ قال : " منهم من يعمل قدر ما يعمل غيره من العمل في المدّة المذكورة يعمله هو في يوم واحد ، ومنهم من يكون جلّ عمله في يوم واحد كما إذا عمل في المدّة المذكورة " . قلت له : الذي عنده الاسم الأعظم له أكثر من هذا القدر على ما سمعناه منكم رضي الله عنه عنكم وما تقدّم في فضله ؟ قال : " ذلك لا يُقاس عليه لأنّهُ من النّادر لأنّ الفضل الذي يُعطَى لذاكره لا يعلمه إلاّ الله " . رَزَقَنَا الله ما رَزَقَهُمْ بمحض فضله وكرمه ، آمين .
فائدة : قال الشيخ رضي الله عنه : " عدد ألْسِنَةِ الطائر الذي يخلقه الله من الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الذي له سبعون ألف جناح إلى آخر الحديث ألف ألف ألف ألف ألف ألف ألف ألف إلى أنْ تَعُدَّ ثمانية مراتب وستمائة وثمانون ألف ألف ألف ألف ألف ألف ألف إلى أنْ تَعُدَّ سبع مراتب وسبعمائة ألف ألف ألف ألف ألف إلى أنْ تعدّ خمس مراتب ، فهذا مجموع عدد ألْسنته وكلّ لسان يُسَبِّح الله تعالى بسبعين ألف لغة في كل لحظة ، وكلُّ ثوابها للمصلِّي على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في كلّ مرّة ، هذا في غير الياقوتة الفريدة وهي الفاتح لما اغلق ... الخ ، وأمّا فيها فإنّه يخلق في كلّ مرّة ستمائة ألف طائر على الصفة المذكورة كما تقدّم . فسبحان المتفضّل على من يشاء من عباده من غير منّة ولا علّة " . إنتهى مِن خطّ سيّدنا وحبيبنا وخازن سرّ سيّدنا أبي عبد الله سيّدي محمّد بن المِشْرِي حفظه الله وأدام ارتقاءه .
وسألته رضي الله عنه عن معنى صلاة الفاتح لما اغلق ... الخ ، فأجاب رضي الله عنه قال : " معناه الفاتح لما أغلق : مِن صُوَرِ الأكوان فإنّها كانت مُغلقة في حجاب البطون وصُوَرِة العدَم وفُتِحَتْ مغاليقها بسبب وجوده صلّى الله عليه وسلّم وخرجتْ من صُوَرة العدَم إلى صُوَرِة الوجود ، ومِن حجابية البطون إلى نفسها في عالم الظهور ، إذ لولاه ما خلق الله موجودًا ولا أخرجه من العدم إلى الوجود ، فهذا أحد معانيه . والثاني : أنّهُ فَتَحَ مغاليق أبواب الرحمة الإلهية وبسببه انفتحتْ على الخلق ولولا أنّ الله تعالى خَلَقَ سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ما رحم مخلوقًا ، فالرّحمة من الله تعالى لِخلْقِه بسبب نبيّه صلّى الله عليه وسلّم . والثالث مِن معانيه : هي القلوب أُغلِقتْ على الشرك مملوءة به ولم يجِد الإيمان مدخلا لها ففُتِحَتْ بدعوته صلّى الله عليه وسلّم حتّى دخلها الإيمان وطهّرها من الشرك وامتلأت بالإيمان والحكمة . قوله : والخاتم لما سبق : مِنَ النبوّة والرسالة لأنّهُ خَتَمَهَا وأغلقَ بابَها صلّى الله عليه وسلّم فلا مطمع فيها لغيره . وكذلك الخاتم لما سبق مِن صُوَرِ التجلّيات الإلهية التي تجلّى الحقّ سبحانه وتعالى بصُوَرِهَا في عالم الظهور لأنّهُ صلّى الله عليه وسلّم أوّل موجود أوْجَدَهُ الله في العالم مِن حجاب البطون وصورة العماء الرّباني ثمّ ما زال يبسط صُوَرَ العلم بعدها في ظهور أجناسها بالترتيب القائم على المشيئة الرّبّانية جنسًا بعد جنس إلى أنْ كان آخر ما تجلّى به عالم الظهور الصورة الآدمية على صورته صلّى الله عليه وسلّم ، وهو المراد في الصورة الآدمية ، فَكَمَا افتتح به ظهور الوجود كذلك أغلق ظهور صُوَرِ الموجودات صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله " .
وبعبارة قال رضي الله عنه : " أوّل موجود أوجده الله تعالى من حضرة الغيب هو روح سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ثمّ نَسَلَ الله أرواح العالم مِن روحه صلّى الله عليه وسلّم . والرّوح ها هنا هي الكيفية التي بها مادّة الحياة في الأجسام . وخلق من روحه صلى الله عليه وسلم الأجسام النورانية كالملائكة ومن ضاهاهم ، وأمّا الأجسام الكثيفة الظلمانية فإنّما خُلِقَتْ مِنَ النسبة الثانية مِنْ روحه صلّى الله عليه وسلّم . فإنّ لروحه صلّى الله عليه وسلّم نِسْبَتَيْنِ أفاضها على الوجود كلّه ، فالنسبة الأولى النور المحض ، ومنه خُلِقَت الأرواح كلّها والأجسام النورانية التي لا ظلمة فيها ، والنسبة الثانية مِن نِسْبَةِ روحه صلّى الله عليه وسلّم نسبة الظلام ، ومِن هذه النسبة خلق الله الأجسام الظلمانية كالشياطين وسائر الأجسام الكثيفة والجحيم ودركاتها ، كما أنّ الجَنَّةَ وجميع درجاتها خُلقت من نسبة النورانية . فهذه نسبة العالم كلّه إلى روحه صلّى الله عليه وسلّم .
وأمّا الحقيقةُ المحمّديّة صلّى الله عليه وسلّم : فهي أوّل موجود أوجده الله تعالى من حضرة الغيب وليس عند الله مِن خَلْقِهِ موجود قَبْلَهَا ، لكن هذه الحقيقة لا تُعْرَفُ بشيء ، وقد تعسّف بعض العلماء بالبحث في هذه الحقيقة فقال : إنّ هذه الحقيقة مفردة ليس معها شيء فلا تخلو إمّا أنْ تكون جوهرًا أو عرَضا ، فإنّها إنْ كانت جوهرًا افتقرتْ إلى المكان الذي تَحُلّ فيه فلا تستقلّ بالوجود دونه ، فإنْ وُجِدَتْ مع مكانها دفعة واحدة فلا أوّليّة لها لأنّهما اثنان ، وإنْ كانت عرَضا ليست بجوهر ، فالعرَض لا كلام عليه إذ لا وجود للعرَض إلاّ قدر لمحة العين ثمّ يزول ، فأيْن الأوّليّة التي قُلْتُمْ ؟ .
الجواب عن هذا المحط : : إنّها جوهر حقيقة له نسبتان نورانية وظلمانية ، وكونه مفتقراً إلى المحلّ لا يصحّ هذا التحديد لأنّ هذا التحديد يَعْتَدُّ به مَنْ تَثَبَّطَ عقلُه في مقام الأجسام ، والتحقيق أنّ الله تعالى قادر على أنْ يخلق هذه المخلوقات في غير محلّ تحلّ فيه ، وكوْن العقل يُقَدِّرُ استحالة هذا الأمر بعدم الإمكان بوجود الأجسام بلا محلّ فإنّ تلك عادة أجراها الله تعالى تَثبّطَ بها العقل ولمْ يطلق سراحه في فضاء الخلائق ، ولو أطلق سراحه في فضاء الحقائق لَعَلِمَ أنّ الله قادرٌ على خَلْقِ العالم في غير محلّ ، وحيث كان الأمر كذلك فالله تعالى خَلَقَ الحقيقة المحمّديّة جوهرًا غير مفتقر إلى المحلّ ، ولا شكّ أنّ من كُشِفَ له عن الحقيقة الإلهية عَلِمَ يقينًا قطعيًّا أنّ إيجاد العالم في غير محلّ ممكن إمكانًا صحيحًا . أمّا الحقيقة المحمّديّة فهي في هذه المرتبة لا تُعرَف ولا تُدرَك ولا مطمع لأحدٍ في نيلها في هذا الميدان ، ثمّ استأثرتْ بألباسٍ مِنَ الأنوار الإلهية واحتجبتْ بها عن الوجود ، فهي في هذا الميدان تُسَمَّى روحًا بعد احتجابها بالألباس ، وهذا غاية إدراك النبيّين والمرسلين والأقطاب ، يَصِلُونَ إلى هذا المحلّ ويقفون ، ثمّ استأثرتْ بألباس مِن الأنوار الإلهية أخرى وبها سُمِّيَتْ عقلا ، ثمّ استأثرتْ بألباس من الأنوار الإلهية أخرى فسُمِّيَتْ بسببها قلبًا ، ثمّ استأثرتْ بألباس مِن الأنوار الإلهية أخرى وبها فسُمِّيَتْ بسببها نَفْسًا ، ومِن بعد هذا ظهر جسده الشريف صلّى الله عليه وسلّم . فالأولياء مختلفون في الإدراك لهذه المراتب ، فطائفةٌ غايةُ إدراكهم نفْسه صلّى الله عليه وسلّم وفي ذلك علوم وأسرارٌ ومعارف ، وطائفةٌ فوقهم غايةُ إدراكهم قلبه صلّى الله عليه وسلّم ولهم في ذلك علوم وأسرارُ ومعارف أخرى ، وطائفة فوقهم غاية إدراكهم عقله صلّى الله عليه وسلّم ولهم في ذلك علومٌ وأسرار ومعارف أخرى ، وطائفة ، وهُمُ الأعلوْن ، بلغوا الغاية القصوى في الإدراك فأدركوا مقام روحه صلّى الله عليه وسلّم فيه وهو غاية ما يُدرَك ، ولا مطمع لأحدٍ في درك الحقيقة ماهيتها التي خُلِقَتْ فيها ، وفي هذا يقول أبو يزيد : " غصتُ لُجَّةَ المعارف طالبا للوقوف على عين حقيقة النبي صلّى الله عليه وسلّم فإذا بيني وبينها ألف حجاب من نور لو دَنَوْتُ من الحجاب الأوّل لاحترقتُ به كما تحترق الشعرة إذا أُلْقِيَتْ في النار ". وكذا قال الشيخ مولانا عبد السلام في صلاته : " وله تضاءلت الفهوم فلم يدركه منّا سابقٌ ولا لاحقٌ " . وفي هذا يقول أويس القرني رضي الله عنه لسيّدنا عمر وسيّدنا عليّ رضي الله عنهما : " لم تَرَيَا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلاّ ظلّه ، قالا : ولا ابن أبي قحافة ؟ ، قال : ولا ابن أبي قحافة " . فلعلّه غاص لجّة المعارف طالبا الوقوف على عين الحقيقة المحمّديّة فقيل له : هذا أمر عجز عنه أكابر الرسل والنبيّين فلا مطمع لغيرهم فيه . والسلام " . أهـ . ما أملاه علينا سيّدنا رضي الله عنه .
وقد قال الشيخ الأكبر في صلاته ' الدرّة البيضاء التي تكوّنت عنها الياقوتة الحمراء ' ، أراد بالدرّة البيضاء ها هنا هي الحقيقة المحمديّة ، والياقوتة الحمراء هي وجود العالم بأسره . وأمّا ما أشار الشيخ مولانا عبد القادر في قصيدته بقوله : " على الدرّة البيضاء كان اجتماعنا " هي الدرّة الموجودة قبل خلق السموات والأرضين فإذا بها سبحانه وتعالى صيّرها ماءً فاضطربتْ أمواج الماء ألف حِقْبٍ في كلّ حقب ألف قرن في كلّ قرن ألف سنة وفي كلّ سنة ألف يوم في كلّ يوم ألف ساعة في كلّ ساعة مثل عُمُرِ الدنيا سبعين ألف مرّة ، فاجتمع في هذه المدّة كوم من الزبد فبسطها على وجه الماء فصيّرها أرضاً ، وخَلَقَ منها الطباق السبعة ، ثمّ خَلَقَ السموات بعدها ، فهذا هو المشار إليه بقول الشيخ رضي الله عنه " . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وقد قال سيّدنا رضي الله عنه : " أوّل ما خلق الله تعالى روحه الشريفة ، وهي الحقيقة المحمّديّة صلّى الله عليه وسلّم ، ثمّ بعد ذلك نسل الله منها أرواح الكائنات من روحه الشريفة الكريمة . وأمّا طينته التي هي جسده الشريف فكوّن الله منها أجساد الملائكة والأنبياء والأقطاب . وخمّر طينته الشريفة عليها من الله الصلاة والسلام بماء البقاء مدّة قَدْرُهَا وهو أنْ تضرب الإسْمَيْن الشريفين ، وَهُمَا ' سّيدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ' و ' أحمد صلّى الله عليه وسلّم ' ، تضرب عددهما في سبعة ، والخارج في نفسه ، ثمّ تضرب العدد كلّه في ألف عام ، كلّ فرد من هذه الأعداد في ألف عام ، ثمّ كلّ يوم من أيّام تلك السنين فيه ألف عام من سنين هذه وهي أيّام الربّ ، وفي كلّ سنة من هذه ثلاثمائة ألف عام وستون ألف عام ، والخارج من هذه الضروب كلّها هو ألف ألف ألف ثلاث مرّات وثلاثون ألف ألف مرتبة ومائتا ألف وخمسة وعشرون ألفًا ، هذا هو الخارج من الضروب كلّها ، وهذا الخارج كلّه يضرب في أيّام الربّ ، والخارج هو ثلاثمائة ألف ألف ألف ألف أربع مراتب وسبعون ألف ألف ألف ألف أربع مرّات وثمانمائة ألف ألف ألف ثلاث مراتب وإحدى وثمانون ألف ألف ألف ثلاث مراتب . فهذه هي مدّة تخمير الطينة المحمّديّة الشريفة عليها من الله افضل الصلاة والسلام " . إنتهى مِن إملائه علينا رضي الله عنه من حفظه ولفظه .
فائدة في بيان تضعيف فضل الفاتح لما أغلق ، قال سيّدنا رضي الله عنه : " إعلم أنّك إذا صَلَّيْتَ بصلاة الفاتح لما أغلق الخ مرّة واحدة كانت بستمائة ألف صلاة من كلّ صلاة وقعت في العالم من جميع الجنّ والإنس والملائكة ، ثمّ إذا ذكرتَ الثانية كان فيها ما في الأولى وصارت الأولى بستمائة ألف صلاة من صلاة الفاتح لما أغلق ، ثمّ إذا ذكرتَ الثالثة كان فيها ما في الأولى من الصلوات ويزاد لها صلاة الفاتح لما أغلق ستمائة ألف مرّتين فهي اثنا عشر مائة ألف ، ثمّ سِرْ على هذا التضعيف إلى العشرة ثمّ إلى مائة وواحدة كان في الواحدة ما في الأولى قبلها وفيها صلاة الفاتح لما أغلق ستمائة ألف متضاعفة مائة مرّة وذلك ستون ألف ألف من الفاتح لما أغلق ، وسِرْ على هذا المنوال إلى ألف وواحدة فيكون فيها ما في الأولى يعني الألف وفيها ستمائة من الفاتح لما أغلق ألف مرّة متضاعفة وذلك ستمائة ألف ألف وهكذا على المنوال وهذا الضابط . فإذا ذَكَرَها في وقت السَّحَر تكون كلّ واحدة منها بخمسمائة مرّة ، فإذا ذَكَرَها ألفًا وواحدة مثلا كان في الواحد بعد ألف ثلاثمائة ألف ألف ألف ثلاث مراتب ، وأمّا في الألف وواحدة فيكون فيها مائة وخمسون ألف ألف ألف ألف أربعة مراتب وأربعمائة وخمسون ألف ألف ألف ثلاثة مراتب ، فهذا خاصّ بوقت السَّحَر ، وأمّا في غيره فهو ما ذُكِرَ أوّلا من التضعيف السابق " . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وحدّثني شيخنا رضي الله عنه قال : " قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ما صلّى عليَّ أحدٌ بأفضل مِن صلاة الفاتح لما أغلق " . وقال رضي الله عنه : " لو اجتمعت أهل السموات السبع وما فيهن والأرضين السبع وما فيهن على أن يصفوا ثواب الفاتح لما أغلق ما قدروا " . إنتهى ما سمعناه من لفظه رضي الله عنه في هذا الوقت وأبرزه الحقّ على لسانه .
وقال رضي الله عنه : " كلّ ما سمعتموه في فضل صلاة الفاتح لما أغلق فهو بالنسبة لما هو مكتوم كنقطة في بحر " . سبحان المتفضّل بهذا الخير العظيم على هذا الشيخ الكريم .
ولنرجع إلى فضل الأوراد فأقول : قال الله تعالى في فضل الهيللة : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (6) فاعلم أنّهُ لا إله إلاّ الله ، وفي الحديث عنه صلّى الله عليه وسلّم قال : « أفضل ما قلته أنا والنبيّون من قبلي لا إله إلاّ الله » ، وفضلها مشهور معلوم في الملّة المحمّديّة فلا نطيل بذكره .
وأمّا السيْفي فقد مرّ بعض فضله .
وأمّا حزب البحر فهو من إملاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على شيخ الطريقة والحقيقة مولانا أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه ، وقيل أنّ فيه الاسم العظيم الأعظم ، وفيه خاصيّة التحصين في البرّ والبحر مع الإذن الصحيح مِن أربابه ، وفيه كيفيات في قراءته وفي تحصينه فمَن أرادها فليطلبها مِن أربابها ويأتِ البيوت من أبوابها .
وأمّا الأسماء الإدريسيّة فلها خواصّ عظام وفضائل كثيرة ، ومن أرادها فعليه بمطالعة كتاب الجواهر الخمس لسيّدي محمّد الغوث مع شارحه سيّدي محمّد الشناوي رضي الله عنه ، فقد ذَكَرَ فيها من الفضل الذي لا يحصره حدّ والعجب العجاب ، فمَن أرادها فليطالعها في محالها مع الإذن الصحيح من أربابه .
وأمّا فضل فاتحة الكتاب فقد ورد في الحديث « أنّها أعظم آي القرآن وهي السبع المثاني والقران العظيم »إلى غير ذلك ممّا ورد في فضلها من الأحاديث المشهورة ، فمَن أراد ذلك فليطلبه في محلّه .
وأمّا ما أخبرنا به سيّدنا رضي الله عنه في فضلها عن سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم ، قال رضي الله عنه : " وأمّا الفاتحة فقد ذكر لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّ لنا فيها بكلّ مرّة أجر ختمة من القرآن ، فقلت له صلّى الله عليه وسلم : أنّه بلغني في بعض الأخبار مَن تلاها مرّة فكأنّما سبّح الله بكلّ تسبيح سبّحه به جميع خلقه في كورة العالم ، فهل يحصل فيها هذا الثواب كلّه ؟ فقال لي صلّى الله عليه وسلّم : فيها أكثر من ذلك ، ويحصل لتاليها في كلّ مرّة بعدد حروفها وحروف القرآن بكلّ حرف سبع قصور وسبع حور " . قلت : وقد قيل أنْ حروف القرآن ثلاثمائة ألف وإحدى وعشرون ألفًا وخمسة وسبعون ، فإذا ضربتها في سبعة وهي عدد الحور ، لكلّ حرف سبعة ، يخرج ألف ألف ومائتا ألف وسبع وأربعون ألفًا وخمسمائة وخمس وعشرون حوراء . أهـ . وفي سورة القدر ثلاثمائة ألف وستون ألفًا لكونها فيها صيام رمضان وكلّ يوم منه باثني عشر ألفًا ، وإذا جُمِعَ هذا العدد مع الأوّل يكون ألفيْ ألف وستمائة ألف وسبعة آلاف وخمسمائة وخمسة وعشرين . أهـ . فهذا في غير الصلاة ، فيتضاعف مرّتين إنْ صلّى جالسا وأربع مرّات إنْ صلّى قائما وهذا للفذّ ، فإذا قرأها في صلاة الجماعة فيتضاعف بمائة وثمان مراتب ، فإذا نظرتَ إلى عدد الركعات وهي سبعة عشر ركعة بين النهار والليل يصير ثمانية عشر مائة وستة وثلاثين ، أعني فضلها المتقدّم في عدد الحروف وهو ألفًا ألف ، أعني يتضاعف إلى هذا القدر ، ومثله تسبيح العالم ومثله قيام ليلة القدر ومثله عبادة سنين ومثله ختمات من القرآن ، الحاصل مَن قرأها في صلاة الجماعة فيُعطَى من الأجر في اليوم الواحد أربعة الألف ألف ألف مرتبتان وسبعمائة ألف ألف مرتبتان وستة وثمانين ألف ألف مرتبتان وثلاثة وستين ألفًا وتسعمائة حوراء مع الأجر المتقدّم من تسبيح العالم وختمات القرآن إلى غيرها . قال الشيخ رضي الله عنه : " وفي الحديث « من صلّى خلف الإمام فقراءة الإمام له قراءة » " . أهـ . ثمّ قال سيّدنا رضي الله عنه : " وهذا لمن لم يفهم معنى التفسير وأمّا من علم التفسير فيتضاعف له الأجر مرّتين وهو مائتا حسنة لكلّ حرف " . ثم قال سيّدنا رضي الله عنه : " ولا تكتب عليه سيّئة في تلك السَّنَة أعني قارئ الفاتحة مرّة " . ثمّ قال رضي الله عنه : " وهذا في غير نيّة الاسم ، وأمّا قراءة الفاتحة بنيّة الاسم فلا يحيط بفضلها إلاّ الله ولا يستعظم هذا في جانب الكريم جلّ جلاله فإنّ فضل الله لا حدّ له ، والسلام " .
ثمّ (قال رضي الله عنه) : " قال لي سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم : ويجاورني في عليّين ، وهذا الثواب كلّه لمن تلاها مرّة واحدة وأمّا من تلاها وهو يعتقد أنّهُ يتلو الاسم الأعظم معها لكون حروف الاسم تامّة فيها فإنّه يحصل له في كلّ مرّة ثواب تلاوة الاسم وثواب تلاوتها ، وكلّ من تلاها فقد تلاه معها ، وهذه الخاصيّة في الفاتحة فقط دون ما عداها مِنَ المَتْلُوَّات التي كمُلتْ فيها حروف الاسم . واعلم أنّ من تلاها متعبّدا لله من غير شعور بتلاوة الاسم معها كان له الثواب الأوّل ، ومَن تلاها معتقدا أنّهُ يتلو الاسم معها لوجود كمال حروفه فيها كان له ثواب تلاوتها وتلاوة الاسم في كلّ مرّة ولكن مع اعتقاده أنّهُ الاسم الخاصّ بالذات العليّة وليس للذات العليّة المنزّهة غيره " . إنتهى . فهذا ما أبرزه لنا رضي الله عنه وما هو مكتوم فيها فلا يعلم قدره إلاّ الله تعالى . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وأمّا فضل صلاة رفع الأعمال فقد وَرَدَ في بعض الآثار أنّ مَن صلّى بها عشرا في الصباح وعشرا في المساء رُفِعَ له مثلُ عمل أهل الأرض . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وأمّا اللّهُمَّ مَغْفِرَتُكَ أَوْسَعُ مِنْ ذُنُوبِي ... الخ. فهي مِنْ مُكَفِّرَاتِ الذنوب .
وأمّا فضل وظيفة اليوم والليلة وهي : لاَ إِلَهَ إلاّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرْ... الخ فمَن ذَكَرَهَا في الصباح ثلاثا لا يُكتَب عليه ذنْب في ذلك اليوم ، ومن ذَكَرَهَا في المساء ثلاثا كذلك لا يُكتَب عليه ذنْب في تلك الليلة حتّى يُصبِح . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وأمّا فضل الدّور الأعلى للشيخ الأكبر فلم نطّلع عليه إلاّ ما فيه من الحفظ والتحصين لقارئه .
وأمّا استغفار الخضر عليه السلام فقال سيّدنا رضي الله عنه : " مَن ذَكَرَهُ غُفِرَ له ما تقدّم مِن ذنْبه وما تأخّر " . إنتهى . فهذا هو المنسوب لسيّدنا الخضر عليه السلام .
وأمّا المسبّعات العشر فقد قال الشيخ أبو عبد الله الخرّوبي الطرابلسي : هي من الأوراد العظيمة التي جَرَتْ عادةُ الصالحين والعُبّاد بها يقرؤونها ويضيفونها إلى وظائفهم وأورادهم قديما وحديثا غدوة وعشية ، ولم تزل الشيوخ رضي الله عنهم يأمرون إخوانهم وأصحابهم بقراءتها ويحضّونهم عليها ، وقد أسند حديثها أبو طالب المكّي في ' الْقُوتِ ' عن كرز بن وبزة قال ، وكان من الأبدال ، عن أخ له مِن أهل الشام عن إبراهيم التيمي عن الخضر عليه السلام عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم . إنتهى كلام الخرّوبي رحمه الله . ولنا فيها سند عال غير هذا وهو عن شيخنا وسندنا عن شيخه سيّدي محمود الكردي عن الخضر عليه السلام مشافهة بالرواية المتقدّمة ، هكذا أخذناها عن سيّدنا وأجازنا فيها رضي الله عنه ، وهذا السَّنَدُ لم يوجد من هذا الطريق . أهـ .
وأمّا فضل أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إلاّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ عِيسَى ... الخ الحديث ، ففي البخاري عن عبادة بن الصامت عنه صلّى الله عليه وسلم : « من قال أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إلاّ اللهُ ... الخ أدخله الله من أيّ أبواب الجنّة الثمانية شاء على ما كان من العمل » . أهـ . وأمّا الأذكار التي بعد الصلاة فالفاتحة تَقَدَّمَ فضلُها ، وآية الكرسي مَن ذَكَرَهَا دبر كلّ صلاة لم يمنعْه مِن دخول الجنّة إلاّ الموت . أهـ .
وأمّا سورة الإخلاص ففي الحديث الصحيح : « أنّ المرّة الواحدة تعدل ثلاث ختمات من القرآن » .
وأمّا أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَاتِ إلى وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، مَن قالها ثلاثا في الصباح والمساء لم يضرّه سُمٌّ . أهـ .
وأمّا فضل تَبَارَكْت إِلَهِي...الخ ، مَن قالها دبر كلّ عمل كان مقبولا ، ثمّ آية الكرسيّ تقدّم فضلها ، ثمّ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُ...الخ ، مَن ذَكَرَهَا سبعا في الصباح والمساء لمْ يَمُتْ ما دام يذكرها . أهـ .
ثمّ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَاتِ من شر ما خلق ، تقدّم فضلها . ثمّ حزب البحر تقدّم فضله . ثمّ يا مَنْ اظهر الجميل ، تقدّم فضله . ثمّ الأسماء الإدريسية تقدّم أيضا ، ثمّ الإخلاص كذلك ، ثمّ آية الكرسي ، ثمّ آية الحرص ، ثمّ السيفي ، ثمّ حزب البحر كذلك ، ثمّ لاَ إِله إِلاّ اللهُ يَا دَافِعُ...الخ . ثمّ الدعاء الذي ذكره أبو طالب المكي وهو: أَنْتَ اللهُ لاَ إِلَهَ إلاَّ أَنْتَ ...الخ ، فضْلُه مَن ذَكَرَهُ كُتِبَ من الساجدين المُخْبِتِينَ الذين يجاورون سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم وإبراهيم وموسى في دار الجلال ، وله ثواب العابدين في السموات والأرضين . أهـ .
وأمّا فضل سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ الخ : مَن ذَكَرَهُ مرّة واحدة يُكتَب عند الله من الذاكرين الله كثيرًا ويكون أفضل مَن ذَكَرَهُ بالله والنهار وينظر الله إليه ومَنْ نَظَرَ الله إليه لم يُعَذِّبْهُ وتَحَاتَتْ عنه ذنوبُه ويكون له غرسًا في الجنّة . إنتهى من إملائه رضي الله عنه علينا .
وأمّا صفة المريد وحاله وما يقطعه عن أستاذه ، فاعلم أنّا سألنا سيّدنا رضي الله عنه عن مسائل من جملتها ذلك ، ونصّ السؤال :
سادتنا رضي الله عنكم وأرضاكم ومتّع المسلمين بطول بقائكم ومثواكم ، جوابكم عن مسائل منها : ما حقيقة المريد الصادق وخروجه من المقت اللاحق بوعد صادق ، وسلوكه وترتيبه قبل لقاء الشيخ الصادق ، وإدامته على ما ينجيه من ربّه بعزم صادق ، فإذا مَنَّ الله عليه بقرّة عينيه وكشف له الغطاء بأنّه كفيله ومُربِّيهِ فهل له إلْقاء القياد إليه وتسليم نفسه بالكليّة إليه واتّباعه فيما أشار به عليه ولا يخالفه لحظة فيما أمَرَهُ به وندبه إليه ولا يسأله ما الحكمة فيما أشار به عليه فيما ظهر له في زعمه أنّهُ مخالف لشريعة نبيّه أو يختبره وينظر في الشواهد والدلائل التي لديه لئلا يغترّ بالضالّين المضلّين الذين بين يديه ؟ فإنْ قلنا - سيّدي - بالتصديق مِن أوّل وهلة لادّعائه المشيخة والتربية والترقية والنظر والحال لرأينا ما يُكذِّبُه في الحال والمآل ، وإنْ قلنا لا بدّ من الاختبار والامتحان خُفْنَا على أنفسنا من الطرد والبُعْدِ مِن حضرة المَلِكِ الدّيان ، وأيّ علامة للعارف وهو في أيّام دهره في الملابس والمآكل والزخارف ؟ بَيِّنْ لنا ما حقيقة الشيخ الكامل والتلميذ الصادق الواصل بيانًا شافيّاً ونصّاً مِن مَحَلِّهِ وافيًا . وهل طَلَبُ الشيخ فَرْضُ عَيْنٍ على كلّ مسلم فيجب على كلّ فرد أن يطلب من يوصله إلى الله تعالى بعد تعليم الفرائض أو هو خاصّ ببعضٍ دون بعضٍ ؟ فإنْ قلنا بالوجوب على كلّ فرد فرد بَيِّنْ لنا ما وجهه ، وإنْ قلنا بتخصيص البعض دون البعض بَيِّنْ لنا ما وجهه ؟ . والسلام عائدٌ عليكم ورحمة الله .
فأجاب سيّدنا رضي الله عنه ، ونصّ الجواب :
" إعلم أيّدك الله بروحه أنَّ المريد الصادق هو الذي عرَف جلال الربوبيّة وما لها من الحقوق في مرتبة الألوهية على كلّ مخلوق ، وأنّها مستوجبة من جميع عبيده دوام الدُّؤبِ بالخضوع والتذلّل إليه والعكوف على محبّته وتعظيمه ودوام الإنحياز إليه وعكوف القلب عليه مُعْرِضاً عن كلّ ما سواه حُبًّا وإرادةً ، فلا غرض له ولا إرادة في شيء سواه لِعِلْمِهِ أنَّ كلّ ما سواه كَسَرَابٍ بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتّى إذا جاءه لم يجده شيئا ، فلمّا عَرَفَ هذا وعَرَفَ ما عليه من دوام العكوف على الانقطاع إلى الحضرة الإلهية ، وعَرَفَ خِسَّةَ نفسه وكثرة شؤمها وشرّها وأنّها في جميع توجّهاتها مضادّة لحضرة الألوهية وأنّ جميع حظوظها ومُرَادَاتِهَا مناقضة للحقوق الربّانيّة ، وعَرَفَ ما فيها مِنَ التثَبُّطِ والتثْبِيطِ عن النهوض بالقيام بحقوق الحقّ ومعرفة ما يجب له تعالى مِنَ الخدمة والأدب لِمَا أَلِفَتْهُ مِنَ المَيْلِ إلى الراحات والعكوف على الشهوات والانقطاع عن خالق الأرض والسموات ، وأنّ جميع حظوظها لا تدور إلاّ في هذا الميدان ، وعَرَفَ عجزه عن تقويم هذه النفس الأمّارة بالسوء وعن رَدِّهَا إلى الحضرة الإلهية منقطعةً عن هواها وشهواتها ، وعَرَفَ أنّه إنْ قام معها على هذا الحال استوجب من الله في العاجل والآجل مِنَ الغضب والمقت وشدّة العذاب والنكال المؤبّد ؟الخلود ممّا لا حدّ له ولا غاية ، وارتعب قلبه من هذا البلاء الذي وقع فيه والعلّة المعضلة التي لا خروج له منها ، فلا يُمْكِنُهُ المقام مع نفسه على ما هي فيه ممّا ذُكِرَ قبل استجابة الغضب والمقت من الله ، ولا قدرة على نقل نفسه من مقرّها الخبيث إلى استيطان الحضرة الإلهية ، فحين عَرَفَ هذا رجع بصدْقٍ وعزْمٍ وجِدٍّ واجتهادٍ في طلب الطبيب الذي يُخَلِّصُهُ من هذه العِلَّةِ المعضلةِ ويدلّه على الدّواء الذي يوجب كمال الشفاء والصحّة . فهذا هو المريد الصادق . وأمّا غيره ممّن لم يتّصف بهذه الصفات المتقدّمة فهو طالب لا غير ، قد يَجِدُ وقد لا يجد ، تعلّقتْ نفسُه بأمرٍ فَطَلَبَهُ ، وأمّا الأوّل فلمكان صِدْقِهِ كان الشيخ أقرب إليه مِنْ طَلَبِهِ ، فإنَّ عناية الحقّ به التي وَهَبتْهُ ذلك العلم المذكور هي التي تقوده إلى الشيخ الكامل وتُلْقِيهِ في حضرة الشيخ الواصل وتقلب له قلب الشيخ بالمحبّة والتعظيم فيقع الائتلاف بينهما والأدب فيُفتَح بابُ الوصول لأنّ عناية الحقّ متى وقعتْ على أمْرٍ جَذَبَتْهُ جذبًا قويّا لا يمكن توقّفه ولو كان ما كان . فالذي يجب على المريد الصادق في الطلب مع كمال العلم المتقدّم وشدّة الاهتمام بالأمر المطلوب وعماية القلب عن سوى مطلوبه فلا يشتغل بشيء سوى ما يريد . هذا هو الصدق المفيد ، وهو الذي يُخْرِجُهُ من المقت اللاحق .
فالذي يجب على المريد قبل لقاء الشيخ أنْ يُلازم الذِّكْرَ والصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بشدّةِ حضورِ القلبِ في تأمّل المعاني حسب الطاقة مع اعتقاده أنّه جالس بين يديْه صلّى الله عليه وسلّم مع دوام الإعراض عن كلّ ما يقدر عليه مِن هوى النفس وأغراضها والسعي في كلّ ما يُحَبِّبُه إلى الله تعالى من نوافل الخيرات ، وهي معروفة في الأوقات ، كوقت الضحى ، وقبل الظهر وبعده ، وقبل العصر ، وبعد المغرب ، وبعد العِشاء ، وبعد النهوض من النوم وفي آخر الليل ، وليقلِّلْ من ذلك ويجعل اهتمامه بالذكر والصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أكثر من النوافل فإنّ الذكْرَ والصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مفتاح أبواب الخير ، مع العزلة في وقت الذكْرِ ، وتقليل الغذاء والماء ، واستعمال شيء من الصيام والصمت إلى غير ذلك ممّا هو مسطّر عند أهل الطريق ، والحذر الحذر مِن كثرة التخليط في الأذكار ، وكثرة تشعيب الفكر بين أقاويل المتصوّفة فإنّه ما اتّبع ذلك أحدٌ فأفلح قطّ ، ولكن يجعل لنفسه ذِكْراً واحداً يهتمّ به ووجهة واحدة يهتمّ بها وأصلاً ثابتًا يعوّل عليه من الطرق . هذا سلوكه وترتيبه قبل لقاء الشيخ . ثمّ يسعيى في طلب الشيخ الكامل كما قال طمطم الطالب الصادق لا ينظر في غير مطلوبه ، الطالب لا يسعى في غير مطلوبه ، الطالب لا يهتمّ في غير مطلوبه . فهذه صفة المريد وأحواله " .
وأمّا ما يقطعه عن أستاذه فأمور ، فقَدْ قال سيّدنا رضي الله عنه : " الأمور التي تكون سببا لطرد المريد عن شيخه منها : الأغراض ، ومنها الاعتراض بالقلب واللسان ، ومنها كزازة المريد من ظهور بشريّة الشيخ بأمر لا يطابق المعرفة ، ومنها سقوط حُرْمَتِهِ من القلب .
فأمَّا الأغراض سواء كانت دنيوية أو أخروية وذلك أن الشيخ لا يُصْحَبُ ولا يُعْرَفُ إلاّ لله عزّ وجلّ لا لشيء ، وهي في أمرين ، يعني الصحبة : فإمَّا أنْ يواليه لله تعالى بأنْ يقول: هذا وليّ لله وأنا أُوَالِيهِ لله ، وسِرُّ ذلك في قوله صلّى الله عليه وسلّم مخبرا عن الله : « من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب » وفي طَيِّهِ « مَن والى لي وليّا لأجل أنّهُ وليّ اصطفيته واتّخذته وليا » ، وهذا هو السرّ الأكبر الجاذب للمريد إلى حضرة الله تعالى . والأمر الثاني : يعلمُ أنّ الشيخ مِن عبيد الحضرة ويعلم ما يجب للحضرة من الأدب وما يفسد المرء فيه من الأوطار والأَرَب ، فإذا عَلِمَ هذا يَصْحَبُهُ لِيَدُلَّهُ على الله وعلى ما يقرّبه إليه . والصحبة في هذين الأمرين لا غير ، ومن صَحِبَ لغيرهما خسر الدنيا والآخرة . فإذا عرفتَ هذا فاعرفْ أنّ الربّ سبحانه وتعالى يُعْبَدُ لا لغرضٍ بل لكونه إِلَهًا يستحقّ الألوهية والعبودية من ذاته لِمَا هو عليه مِن محامد الصفات العليّة والأسماء البهيّة ، وهذه هي العبادة العليا . وكذلك الشيخ يُصْحَبُ لا لغرض بل لِتَجْلِبَهُ مُوَالاَتِهِ إلى ولاية الله تعالى ، ويتعرّف مِنَ الآداب المَرْضِيَّة وما يُشِينُ العبدَ في حضرة الله ، وكلّ ما كان من متابعة الهوى ولو كان محمودا فهو شَيْنٌ على العبد في حضرة الله تعالى ، ولذا أمرَتْ الشيوخ بقمع المريدين وزجرهم عن متابعة الهوى في أقلِّ قليل لأنّ المريد في وقت متابعة الهوى كافرًا بالله صريحُا لا تلويحًا ، لكونه نصّب نفسه إلها وعصى أمر الله وخالفه ، فهو يعبد غير الله تعالى على الحقيقة ، ليس من الله في شيء ، وإن قال لا إله إلاّ الله في هذا الحال قال له لسان الحال: كَذَبْتَ بل أنت مشرك ، ومِن هذا القبيل خرج قوله صلّى الله عليه وسلّم : « ما تحت قبّة السماء إله يُعبد من دون الله أعظم من هوى متّبع » . فإذا عرف المريد هذا فلا يغضب على الشيخ ولا يتغيّر إذا لم يوافق هواه في غرضه فإنّ الشيخ أعرف بالمصالح وأدرى بوجوه المَضَارّ ، والتلميذ جاهل بذلك ، فإذا طلب منه غرضا من أيّ فنّ كان ولم يساعده الشيخ عليه فليعلمْ أنّ الشيخ مَنَعَهُ منه لأجل مصلحته ودفع مفسدته ، فإذا عوّد نفسه التغيّر على الشيخ في مثل هذا طُرِدَ عن حضرة الله تعالى وانقطع عن الشيخ ، فإذا غضب المريد على الشيخ بعد تغيّره انقطع انقطاعا لا رجوع له أصلا .
وأمّا الاعتراض بالقلب أوباللسان فإنّه سيفٌ صارمٌ يقطع الحبل بين الشيخ ومريده . فلا يعترض شيئا من أمور الشيخ ، فإنْ لم توافق ما عنده من ظاهر العلم أو باطنه فليعلم أنّ هناك دقائق بين الشيخ وربّه لا يدريها التلميذ والشيخ يجري على منوال تلك الدقائق التي بينه وبين ربّه فإذا خالف صورة ظاهر الشرع فليعلم أنّه في باطن الأمر يجري على منوال الشرع من حيث لا يدريه الخلق .
وأمّا كزازة المريد من ظهور بشرية الشيخ : فإنّها من جَهْلِهِ بالله تعالى وبمراتبه الخلقية ، وذلك أنّ الحقّ سبحانه وتعالى تجلّى في كلّ مرتبة من مراتب خلقه بأمر وحُكْمٍ لمْ يتجلَّ به في غيرها من المراتب ، وذلك التجلِّي تارة يكون كمالا في نِسَبِ الحكمة الإلهية وتارة يكون صورته صورة نُقْصٍ في نسب الحكمة الإلهية ، ثمّ إنّ ذلك التجلِّي ، وإنْ كانت صورته صورة النقص في نسب الحكمة الإلهية ، فلا مَحِيدَ لتلك المرتبة عن ظهور التجلّي فيها بصورة ذلك النقص لأنّ ذلك ناشئ عن المشيئة الربّانية وكلّ تَعَلُّقَات المشيئة يستحيل تَحَوُّلُهَا لغير ما تعلّقتْ به ، فلا بدّ لكلّ عارف من ظهور النقص في ذاته ، ثمّ إنّ ذلك النقص تارة يلابسه بصورة كمال للدقائق التي بينه وبين ربّه وتارة يلابسه متعمّدا أنّه نُقْصٌ وليس في هذه الملابسة إلاّ مُعاينة الحُكْم الإلهي الذي مقتضاه القهر والغَلَبَة بحيث أنْ لا مَحِيدَ للعبد عنه ، فإذا رأى المريد من شيخه بشريّةً تقتضي النقص إمّا شرعيّا وإمّا ممّا يُخِلُّ بالمروءة فليلاحظ هذه المعاني التي ذكرناها وليعلم أنّ ذلك لا يُخْرِجُ الشيخ عن حضرة ربّه ولا يزحزحه عن محلّ قربه ولا يَحُطُّهُ عن كمال أدبه ، فإذا عرف هذا فلا يرفض شيخه لظهور البشرية ، وكلّ مريد يطلب مرتبة للحقّ يتعلّق بها للقرب والوصول يريد أنْ لا يظهر فيها نُقْصٌ كان لسانُ حاله ينادي : لا مطمع لك في دخول حضرة الله تعالى لأنّ كلّ المراتب لا بدّ لها من نقصٍ ، فليس يظهر الكمال صورةً ومعنًى وحِسّاً بريئاً مِنَ النقص بكلّ وجه وبكلّ اعتبار إلاّ في ثلاث مراتب فقط لا ما عداها ، وهي : الرسالة لمن دخل حضرتها ، والنبوّة لمن دخل حضرتها ، والقطبانية لمن دخل حضرتها ، فإنّ هذه الثلاثة لا صورة للنقص فيها ، والباقي من المراتب يظهر فيه النقص في الغالب ، وقد لا يظهر ، فإنّ هذه المراتب الثلاثة ، ولو ظهر للمرء فيها صورة نقص ، فذلك النقص هو غاية الكمال وإنّما يتنقصه المرء بجهله ، واليه يشير صلّى الله عليه وسلّم : « ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أفعله فوالله إنّي لأعلمهم بالله وأخشاهم له » .
وأمّا سقوط حُرْمَتِهِ فهي أكبر قاطع عن الله . وسقوط الحرمة هي عدم ظهور المبالاة إذا أمره أو نهاه ، ومِن أكبر الشروط الجامعة بين الشيخ ومريده هو أنْ لا يشارك في محبّته غيره ولا في تعظيمه ولا في الاستمداد منه ولا في الانقطاع إليه بقلبه ، ويتأمّل ذلك في شريعة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم ، فإنّ مَن ساوى رُتْبَةَ نبيّه صلّى الله عليه وسلّم مع رتبة غيره من النبيّين والمرسلين في المحبّة والتعظيم والاستمداد والانقطاع إليه بالقلب والتشريع فهو عنوان على أنّه يموت كافرا إلاّ أن تدركه عناية ربّانيّة بِسَبْقِ محبّة إلهيّة ، فإذا عرفتَ هذا فليكن المريد مع شيخه كما هو مع نبيّه صلّى الله عليه وسلّم في التعظيم والمحبّة والاستمداد والانقطاع إليه بالقلب ، فلا يعادل به غيره في هذه الأمور ولا يشارك غيره .
ومِن أكبر القواطع عن الله أنْ ينسب ما عنده من الفتح والأسرار لغير شيخه لأنّ تلك الأنوار الإلهية الواردة على العبد بالاسرار والأحوال والمعارف والعلوم والترقّي في المقامات كلّ نور منها يَحِنُّ إلى مركزه ، وهي الحضرة الإلهيّة التي منها برز وفيها نشأ ، فلكلّ شيخ مِنْ أهل الله حضرةٌ لا يشترك فيها مع غيره ، فإذا وَرَدَ منها نورٌ بأمرٍ من الأمور التي ذكرناها ونُسِبَ إلى غير تلك الحضرة من الحضرة الإلهية اغتاظ ذلك النور وطار ورجع إلى محلّه ، وصورة ذلك في نِسَبِ الحكمة الإلهية أنّ الله قضى في كتابه بنسبة كلّ واحد إلى أبيه ، قال تعالى : ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ (7) ، فمن نَسَبَ نورًا إلى غير محلّه من الحضرة الإلهية فقد أساء الأدب في حضرة الحقّ وكَذَبَ على الله ، والحضرة لا تحتمل الكذب ، فلذا يُطْرَدُ ويُسْلَبُ والعياذ بالله تعالى .
إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وقد آن لنا أنْ نذكر هنا في هذا المحلّ أبياتا من الرّائيّة للإمام الشريشي رضي الله عنه لمناسبة ما ذَكَرَهُ سيّدنا رضي الله عنه مِنَ الشرط ، ونصّ الأبيات :
ولا تقْدِمَنَّ قبل اعتقادك  أنـّـــه      مُـرَبٍّ ولا أوْلى منه في العصــــر
فإنّ رقيب الالْتِفَاِت  لغيـــــره      يقـول لمحبوب السراية لا تَسْــــرِ
وإنْ تَسْمُ نحو الفقر نفسُك  فاطرح      هواها  وجانبه مجانبة الشّــــــرّ
وضَعْهَا بحِجْر الشيخ طفلا فما  لها      خروجٌ بلا فَطْم عن الحِجْر  والحَجْــر
ومن لم يكن سَلْبُ الإرادة  وصْفَـه      فلا يَطمعَنَّ في شَمِّ رائحة  الفقــــر
ولا تعترضْ يوما عليه  فإنّـــه      كفيـل بتشتيت المريد على هجــــر
ومنْ يعترضْ والعلم عنه بمعـزل      يرى النقصَ في عين الكمال وما  يدري
ومنْ لم يوافقْ شيخَه في اعتقـاده      يَظَلُّ منَ الإنكار في لهب الجمــــر
فذو العقل لا يرضى سواه وإن نأَى      عن الحقّ نأْيَ الليل عن واضح الفجـر
ولا تعرفنَّ في حضرة الشيخ غيره      ولا تملأنَّ عينا من النظر  الشـــزر
ولا تنطقنَّ يوما لديه فإنْ دعـــا      إليه فلا تعدل عن الكَلِمِ النَّـــــزْرِ
ولا ترفعوا أصواتكم فوق صوتـه      ولاتجهـروا جَهْرَ الذي هو في قَفْــرِ
ولا تقعُـدنَّ قُدّامه متربّعـــــا      ولا باديًا رِجْلاً فبادر إلى  السّتــــر
ولا باسطاً سجّادة بحضــــوره      فلا قصد إلاّ السّعي للخادم  البــــرّ
وسجّادة الصـوفيّ بيت سكونــه      ولا وكر إلاّ أنْ يطير عن الوكــــر
وفِرَّ إليه في المهمّات  كلّهــــا      فإنّك تلقى النصر في ذلك  الفــــرّ
ولا تكن ممّن يُحْسِنُ الفعلَ  عنـده      فيفسـد إلاّ أن يفرّ إلى السكـــــر
ومَنْ حـلّ مِنْ صِدْقِ الإنابة منـزلا      يرى العيب في أفعاله وهو  مستتــر
إنتهـى ما أردْنا كتبه من الرّائية المباركة ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليما .


<< الفصل الأوّل     الفصل الثالث >>

<< عودة إلى فهرس الباب الرابع   إنتقل إلى فهرس الباب الخامس >>



  1. سورة الكهف ، الآية 28 .
  2. سورة الأنفال ، الآية 33 .
  3. سورة النساء ، الآية 110 .
  4. سورة النحل ، الآية 8 .
  5. سورة السجدة ، الآية 17 .
  6. سورة محمّد ، الآية 19 .
  7. سورة الأحزاب ، الآية 5 .